ما يلي جزء من أطروحتي الماجستير أنشره تيسيرا للباحثين
لقراءة الرسالة كاملة من هنا
المطلب
السادس : العرف :
يطلق
العرف على ما يتعارفه أكثر الناس ويجري بينهم من وسائل التعبير وأساليب الخطاب والكلام
، وما يتواضعون عليه من الأعمال ويعتادونه من شؤون المعاملات مما لم يوجد في نفيه
ولا إثباته دليل شرعي[1].
وقد
اعتبر الشارع العرف مصدرا من مصادر الأحكام فتكون المقدرات الفقهية تبعا لذلك ،
فقد قال عز وجل : ( ﭷ ﭸ )[2]
أي بكل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة[3]،
فحجية العرف جاءت من اعتبار الشارع له ، لكنه لا يكون حجة عامة على كافة الناس
والبلدان إلا إن اطرد وعم ، وإنما هو حجة قاصرة على الذين تعارفوه والتزموه[4]،
فاعتيادات الناس وأعرافهم مختلفة بحسب اختلاف الشعوب والأزمنة والأمكنة .
ولكي
يكون العرف معتبرا ومعتدا به فإنه لا بد وأن تتحقق فيه الشروط التالية[5]:
1-
أن يكون العرف مطردا أو غالبا في الاستعمال ومنتشرا بين أهله .
2-
أن يكون العرف موجودا عند إنشاء التصرف ، مع عدم وجود تصريح بخلافه .
3-
ألا يخالف دليلا شرعيا معتمدا أو قاعدة من قواعد الشرع الأساسية .
وبعد
تأمل في عدد من المقدرات يمكن القول أن العرف هو الأليق بتحديد ما يحتاج إلى تقدير
مما جاء به الشارع إن كان مطلقا دون تحديد منه .
من
أمثلة المقدرات الفقهية التي يستفاد في تحديدها من العرف :
1-
أول وقت الصلاة ذات الوقتين[6].
2-
تقدير مسافة السفر التي تتعلق بها رخصه[7].
3-
ضبط وتحديد المكاييل والأوزان المتعامل بها بين الناس في مجال المعاملات[8].
المطلب
السابع : اللغة العربية :
اللغة
هي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم[9]،
واختص الاستدلال واقتصر على اللغة العربية لأنها اللغة التي نزل بها الوحي وجاء
بها ، قال جل شأنه : ( ﮓ
ﮔ ﮕ ﮖ ،ﮘ ﮙ ﮚ
ﮛ ، ﮝ
ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ، ﮣ ﮤ ﮥ )[10].
ومن
أهم استمدادات علم أصول الفقه الذي هو الآلة الموصلة لفهم الأحكام الشرعية هي
اللغة العربية ، وذلك لتوقف فهم ما يتعلق بها من الكتاب والسنة وغيرهما عليها[11].
أما
عن نطاق حجيتها والاستدلال بها فيقول ابن فارس[12]
في كلام نفيس له في هذا الموضوع :
"
لغة العرب يحتج بها فيما اختلف فيه إذا كان التنازع في اسم أو صفة أو شيء مما
تستعمله العرب من سننها في حقيقة ومجاز أو ما أشبه ذلك ... فأما الذي سبيله سبيل
الاستنباط أو ما فيه لدلائل العقل مجال فإن العرب وغيرهم فيه سواء ، لأنه لو سأل سائل
عن دلالة من دلائل التوحيد أو حجة في أصل فقه أو فرعه لم يكن الاحتجاج فيه بشيء من
لغة العرب ، إذ كان موضوع ذلك على غير اللغات ، فأما الذي يختلف فيه الفقهاء من
قوله جل وعز: ( ﯤ ﯥ ﯦ )[13]
وقوله : (ﭸ ﭹ ﭺ
ﭻ ﭼ)[14]
وقوله جل وعز : ( ﯣ ﯤ ﯥ
ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ
ﯫ ﯬ )[15]
وقوله : ( ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ )[16]
فمنه ما يصلح الاحتجاج فيه بلغة العرب ومنه ما يوكل إلى غير ذلك "[17].
فمن
خلال النقل السابق يتضح أن هناك مجالات لا تدخل اللغة فيها ، بينما في مجالات أخرى
تكون مرجعا أساسيا في حالة النزاع فيها .
ومن
ضمن الاحتجاج باللغة تفسير الصحابة للنصوص من الكتاب والسنة من جهة ما تدل عليه
ألفاظها في استعمال اللسان ، وهو أقوى مما يذكر عن آحاد أئمة اللغة بعدهم ، لأنهم
أهل اللسان فكيف وقد انضم إلى ذلك معرفتهم بمراد الشارع فيما يستعمله من تلك الألفاظ
؟[18]
فالاستدلال بأقوالهم هنا من باب الاستدلال باللغة .
من
أمثلة المقدرات الفقهية التي استفيدت من اللغة العربية :
1-
تحديد وقت السحر بأنه سدس الليل الأخير[19].
2-
تقدير الميل بأنه أربعة آلاف ذراع[20].
3-
تحديد الدانق بأنه سدس وزن الدرهم[21].
[5] انظر : الأشباه والنظائر لعبد الرحمن السيوطي ص96
، المهذب في علم أصول الفقه المقارن لعبد الكريم النملة (2/1022) ، أصول الفقه
الإسلامي لزكي الدين شعبان ص 236 .
[8] شرح صحيح البخاري لابن بطال البكري (6/333) ، الحاوي الكبير لعلي
الماوردي (5/107) .
انظر
: البداية والنهاية لإسماعيل بن كثير (11/335) ، أبجد العلوم الوشي المرقوم في
بيان أحوال العلوم لصديق القنوجي (3/6) .
[13] النساء : 43 .
[15] المائدة : 95 .
[18] تيسير علم أصول الفقه لعبد الله الجديع ص 201 .
[20] تاج العروس من جواهر القاموس للمرتضى الزبيدي (30/436) .
[21] مختار الصحاح لمحمد الرازي ص 89 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق