‏إظهار الرسائل ذات التسميات العقيدة والفلسفة الإسلامية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العقيدة والفلسفة الإسلامية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 4 يناير 2015

تهافت الاستدلال بعدم النقل عن السلف


من أحد الاستدلالات الغريبة في العصور المتأخرة ، دليل ضعيف التركيب فقير التدعيم والمنطق والأساس ، ومع ذلك له استعمال واسع منتشر بين المشتغلين في القضايا الدينية للأسف ألا وهو الاستدلال في القضية المسكوت عنها ولا نص فيها بعدم فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها وكذلك عدم نقلها عن السلف أو الجيل الأول تحديدا ، وصار هذا الاستدلال بمثابة إحدى مصادر التشريع والاختراعات الأصولية التي لا تقبل النقاش دون بينة واضحة لأساسياته .

أقول وباختصار :
في مثل هذه القضايا المسكوت عنها فإن نقل العدم ليس دليلا على العدم بل كل ما فيه أنك لا تعلم تحقق الفعل أو القضية ، وكونك لا تعلم عن تحقق الفعل أو القضية فهذا لا يعني أبدا الجزم واليقينية بعدم وقوعها ، وما كل ما فُعل ينقل ، ولا كل ما ينقل يعني صوابه وتحققه ، فكما أن نقل العدم ليس دليلا على العدم ، فكذلك في التراث الروائي فإني نقل الوجود ليس دليلا على الوجود ، ما لم يقترنا بقرائن اليقين وينتفيا من أضداده  ، فلم الاصرار يا سادة على الاستدلال بعدم وجود أدلة أو نقولات او روايات لمجرد ( أنكم أنتم ) لم تجدوا شيئا ولم تفهموا دلالة ، ومنذ متى صار جهل الإنسان بالشيء حجة على غيره !


الغريب أن من يستدل بهذا المنطق لا أجد له التفاتا إلى أي من القضايا التالية التي تشير بصراحة ووضوح إلى أن تراث النبي صلى الله عليه وسلم وعادات ونقولات الجيل الأول لم يسلم من الحذف أو التلاعب أو القمع ، لا أظن واعيا بالأحداث التاريخية لقضية تدوين السنة وما صاحبها سيستدل بهذا المنطق متغاضيا عن كثير العقبات التي لا يمكن تجاهلها .

أهم موانع الاستدلال بعدم الثبوت أو النقل عن الجيل الأول :

1- ضياع كثير من كتب الحديث والمسانيد أصلا :
كيف يمكن لأحد أن يستدل بعدم الورود جازما وكأن كل ما حدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده قد نقل لنا كاملا غير منقوص ؟ هل يملك أحد الجزم بعدم النقل ليحرم قضية مسكوتة تتنازعها الاستدلالات وهناك كم هائل من السنة والأثر لا يزال في حكم المجهول ، من تلك الكتب كنماذج لا إحصاء وإلا فبعض الدارسين يشير إلى أعداد لا نتخيلها !
سنن أبي الحسن المصري ، سنن الوليد بن مسلم ، سنن ابن عدي ، سنن علي بن المديني ، السنن لإسماعيل القاضي ، السنة لابن أبي حاتم ، السنة لأبي بكر الأثرم ، السنة لأبي الشيخ ، السنة للعسال ، السنة للطبراني ، السنة لمحمد بن السري ، السنة للسجزي ، مسند ابن منيع ، مسند بقي بن مخلد ، مسند الحسن بن سفيان ، مسند عثمان الدارمي ، مسند ابن زيدان البجلي ، مسند قاسم بن أصبغ ، مسند ابن سنجر الجرجاني ، مسند مسدد بن مسرهد ، مسند ابن المقرئ ، مسند يحيى الحماني ، مسند ابن أبي عمر العدني.

2- تقلص عدد مصاحبي النبي صلى الله عليه وسلم قبل إدراك مرحلة الاهتمام الروائي ونقل الآثار سريعا ، بسبب الحروب والمعارك ، فمعركة اليمامة مثلا استشهد فيها سبعون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فتأمل في غيرها ، الله أعلم بالحال الروائي والفهم الديني لو عاشوا .

3- القمع والطغيان والاستبداد الذي طال الجيل الاول :

كيف نستدل بعدم النقل عن الجيل الأول بيقينية ساذجة متجاهلين ما نجده من قمع وإبادات جماعية وإخراس للكلمة ؟! يبدو أن لمنطق السكوت عن المآسي والكوارث الحاصلة في الجيل الأول لها دور هنا لتعزيز مثل هذه الاستدلال ! من صور ذلك القمع :

أ – وقعة الحرة ومثيلاتها : قتل بها من الصحابة والبدريين العدد الذي لا يستهان لمجرد مطالبتهم بحق مشروع ، قتلوا ، وقتلت معهم عاداتهم وفهمهم للدين الذي لم يصلنا منه شيء بل نقلت أفهام وعادات من ظل بعدهم من قامعيهم ، ومرت الأيام فصارت أفهام قامعي الصحابة والبدريين مذاهب دينية سائدة يصعب إقناعها بمخالفتها القرآن .

ب- تصريح الرواة بالخوف من التحديث : في صحيح البخاري أن أبا هريرة قال حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعائين أما أحدهما فبثثته وأما الآخر فكتمته ولو بثثته لقطع هذا الحلقوم !
يا للهول إن كان أكثر من نقلت عنه الرواية له مثل هذا التصريح فيعني أنه لديه مثل ما رواه لكنه مقموع خوفا على حياته لم يصرح به ولم ينقله !
يا ترى من تلك الجهة التي قمعت الرواة  ؟!
عاش أبو هريرة في عهد الخلافة الراشدة والعهد الأموي الذي نهض على دماء كثيرة ، فانظروا من أين جاء الخلل
هل يقول جازم بعد ذلك بوصول مرويات ذلك الجيل كاملة محفوظة غير مقموعة فضلا عن أفهامهم الدينية ؟

ب- ظاهرة الاغتيالات والتصفيات السياسية : ماذا نفسر وفاة مجموعة من أكابر شخصيات الجيل الاول إما سما او قتلا ؟ كسعد بن أبي وقاص والحسن وأبناء أبي بكر وابن خالد بن الوليد ؟ وغيرهم
ألئك كانوا من قادة المجتمع ، من المستفيد من قتلهم يا ترى ؟ أكانت تلك حوادث عشوائية أم خلفها منظم ؟ كيف نطمئن لاستدلالاتنا التاريخية ومثل هذه الحوادث الدالة على القمع والاستبداد موجودة ، إن كان قمع الأرواح حاضرا وبقوة في ذلك الجيل قإن قمع الكلمة أولى .

القمع والاستبداد والهيمنة على مدوني السنة والآثار :

1- لماذا تنتشر ظاهرة التفلين ( أي حذف الاسم الوارد في حادثة واستبداله بكلمة فلان ) في الأحاديث والروايات ؟ من المسؤول عنها ؟ لماذا يطمس بعض المحدثين الأسماء ونجدها عند البعض الآخر ؟ احتمالان : خوف أو تدليس ، وكلاهما يدل على انعدام أجواء أمينة للنقل واحترام الحقيقة والتاريخ .


2- رواية المدائني المحدث الثقة صاحب الكتب المفقودة – لا أظنها صدفة أو عبثا – رواية ذات دلالات واضحة على جدية التدخل السياسي في نقل الآثار ، أنتقي مما قال : كتب معاوية نسخة واحدة الى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل ابى تراب واهل بيته فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرءون منه ويقعون فيه وفي اهل بيته ... وكتب معاوية الى عماله في جميع الافاق الا يجيزوا لاحد من شيعة على واهل بيته شهادة وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه واهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقربوهم واكرموهم واكتبوا لى بكل ما يروى كل رجل منهم واسمه واسم ابيه وعشيرته ... م كتب الى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس الى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الاولين ولا تتركوا خبرا يرويه احد من المسلمين في ابى تراب الا وتأتوني بمناقض له في الصحابة فان هذا احب الى واقر لعيني وادحض لحجة ابى تراب وشيعته واشد عليهم من مناقب عثمان وفضله ... ثم كتب الى عماله نسخة واحدة الى جميع البلدان انظروا من قامت عليه البينة انه يحب عليا واهل بيته فامحوه من الديوان واسقطوا عطاءه ورزقه وشفع ذلك بنسخة اخرى من اتهمتوه بمولاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدمو داره .


هل فهم النصوص القرآنية متوقف على فهم أحد ؟

القرآن يصرح بأن بيانه عليه لا على غيره ( إن علينا جمعه وقرآنه ، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ، ثم إن علينا بيانه )
فبيان قضايا الدين لن يتوقف على عدم النقل عن السلف ، فلم الاستدلال ببشر حالهم مع النص حالنا ؟! فكيف لو أضفنا واقع مروايتهم التاريخي ؟

ولا تخفى الانتقائية في الاستدلال بهذا الدليل وعدم ضبطه فضلا عن عدم التفات المشرع الديني له

صلاة التراويح ... كيف اخترعت ؟ نظرة في تجربة عمر

لو كان عمر بن الخطاب حيا اليوم لواجه حملات تبديعية له بسبب استحداثه لصلاة التراويح وهي صورة لعبادة جديدة مخصصة بوقت بحجة عدم النقل عن السلف ولا عن النبي

لكن عمر لم يلتفت إلى ذلك المنطق

لكنه التفت إلى دلالات دينية عامة شكل منها صلاة التراويح

فقيام الليل مشروع ، وكذلك صلاة النافلة جماعة مشروعة ، فدمج بينهما لتظهر صلاة التراويح

وللعلم أكثر خلافات المتنازعين في القضايا الدينية الخلافية الصغيرة والجديدة هي من هذا النوع ، لو نظرت لها تاريخيا لن تجد لها أساسا قد ثبت ، ولو نظرت لها استدلاليات ستجد مما تركبت ، فهل من عيب بالأخذ بتراكيب الاستدلال في قضايا مسكوت عنها دينيا ؟ أم ينبغي التعنيف والمحاربة بحجة عدم النقل والثبوت والذي واقعه ما تقدم ؟



ختاما
ما كل ما فُعل نُقل ، ولا كل ما نُقل فُعل 

المعذرة عن عدم تنسيق السرد والصياغة فهذه كانت مجرد مسودة قديمة 



ومثل الأسباب الواردة هنا تصلح أيضا لبيان سبب التباين الشديد بين موضوعات القرآن وموضوعات الآثار ، وسبب غرابة التدين التراثي عن التدين القرآني ، وقايس الأمور واعرف الأشباه .

ودمتم منمنمين معرفة وبحثا
محمد الفودري

الثلاثاء، 11 يونيو 2013

الحريات في الإسلام أعظم مما شوهوه ... عرض لكتاب حرية الاعتقاد في القرآن الكريم والسنة النبوية للأستاذ حسن فرحان المالكي

انظر أيضا : مهزلة قتل غيلان وعدالة الأوزاعي في الميزان 





كلما ازددت بحثا - على قلته - في علم الحديث ومسائله كلما زاد يأسي وإحباطي من وجود أخطاء وزلات منهجية كبيرة لا تغتفر تصادم العقل والفطر والمناهج العلمية القويمة ، بل لا أبالغ أن الطائفية واحتكار الحقيقة وتجاهل المخالفين صار سمة بارزة لا تنكر في هذا العلم الذي يفترض أن يتناول بجلالة ومسؤولية أكبر من الوضع القديم والحالي .

ورغم اليأس والإحباط فبصراحة هناك أطروحات حديثية من يراها يجد أملا ، فحيث أن التراث الروائي له سيطرة كبيرة على عقول كثير من المسلمين ولن تتحقق أي نهضة وأي فهم جميل للإسلام متوافق مع القرآن إلا بمناهج تتناول هذا التراث بصرامة لا تعرف المجاملة أبدا ، والشهادة لله أجد الباحث حسن فرحان المالكي ممن يعيدون الأمل .

أكثر من ينتقد التراث الروائي يتوقف عند النقد فقط ولا يقدم مشروعا بديلا ، ولكن ميزة الأستاذ حسن المالكي أنه يقدم هذا المشروع البديل بتعمق ، فهو ابن هذا العلم ومن المتبحرين فيه لمن قرأ كتاباته ، وهنا عرض لكتابه الذي تضمن تقديم المشروع البديل لأفكار قمع المخالف وكبت الحريات التي أصل لها التراث مع نقدها .

باختصار الحريات في ديننا أعظم مما نتصور وليس هذا جزافا بل انطلاقا من القرآن وتنفيذ النبي صلى الله عليه وسلم له من خلال نموذج دولته المدنية العظيمة التي لن يدركها أنصار الدولة الدينية أبدا ولن يدركها أبدا من جعل التراث حائلا بينه وبين الوحي .

# ملخص محتوى الكتاب :

قدّم رأيه ببطلان "حد" الرّدة في الإسلام على أحسن مايكون. فابتدأ كما يبتدئ العالم العارف بتقديم الأدلة بالآيات من القرآن، ثم الأحاديث الصحيحة الصريحة من السنة النبوية المطهّرة. وبين هذا وذاك نقد توضيحي لأدلة المخالفين القائلين بثبوت حد الرّدة، وقد ردّ على أدلتهم خير الرد.
ثم أبحر كذلك في نقد الآراء الفقهية المتقدمة والمتأخرة في الموضوع. كما يحتوي هذا البحث أو هذا الكتاب على حواشي قيّمة -على قلتها-. ( نقلا من Goodreads(

# تشويقات :

- الدين لله والوطن للجميع ، هل فعلا أن القرآن قد صرح بما هو أجمل منها ؟

- هل فعلا كفلت دولة النبي صلى الله عليه وسلم للأقليات ولأصحاب التيارات المختلفة التبشير بدينها وأفكارها ؟

- من يقرأ الكتاب سيدرك لماذا القرآن أكثر جمالا وسماحة وأوسع أفقا من السنة ، عفوا بل الأدق " تراث الرواة " وكل الحشمة لسنة النبي عليه الصلاة والسلام .

- ما قصة أحاديث قتل المرتد ؟ وما هو الخلل في أسانيدها ؟

# اقتباسات من الكتاب :

- " نحن ابتلينا بمجموعة من الفقهاء أزالوا هذه المحاسن من القرآن الكريم وادعوا أن كل آية فيها تسامح فهي منسوخة، - نسخ الله علومهم من الأرض – وبهذا قطعوا علينا التجديد في الدين، ذلك التجديد الذي لا يأتي بجديد إلا ما صرح به القرآن الكريم، ولكن فقهاءنا المستجيبين للضغوطات الدولية حالياً وجماعات حقوق الإنسان أصبحوا في ورطة عظيمة من تراثهم الذي ملأه فقهاء السلطة بالتعصب، فتجد فقهاء اليوم يفرحون إذا وجدوا قولاً لاحد العلماء السابقين فيه نوع من التسامح، ولكنهم لا يفرحون إذا وجدوا هذه الآيات الصريحة، وكأن القرآن الكريم أصبح أقل دلالة من قول مختلف فيه لابن تيمية، وهذا تحقيق لشكوى النبي عليه الصلاة والسلام من هجرنا للقرآن الكريم ( وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ) وقد صدق فداه أبي وأمي، فما نراه اليوم يندى له الجبين في بحث علماء الوقت عن قول لهذا البغدادي أو هذا الدمشقي أو هذا البصري فيه تسامح مع الآخرين، بينما آيات الكتاب الكريم تجأر إلى الله من هجرها وإهانتها بدعوى النسخ والتخصيص والتقييد وسائر هذه المخازي التي أجهد فيها الفقهاء أنفسهم، ليبرروا للحاكم وللسلطة وللفقيه إجبار الناس على النفاق، لأن الله عز وجل الذي خلق النفس الإنسانية، قد جعل لها حرية الاختيار، فكان جهد السلطات والفقهاء، أن نقلوا المرتدين من درك أعلى إلى الدرك الأسفل من النار، ليس حفاظاً على الدين ولا على الناس وإنما على السلطة والمصالح الدنيوية التي أضاعت المعاني الحقيقة لديننا وأصبحنا وسط هذا العالم محل تندر، فلا دنيانا أقمنا ولا على ديننا حافظنا " .

- " ومعظم أهل الحديث المتحمسين لهذا الحديث "من بدل دينه فاقتلوه" إنما صححوه ليكون حجة لهم في قتل أهل البدع وليس في قتل المرتد حقيقة " .

- " حتى لو صح أن أبا بكر أو علياً قتلوا مرتدين – غير منشقين عسكرياً- فالقرآن الكريم والنبي (ص) فوق أبي بكر وعلي رضي الله عنهما، وفوق كل واقع سياسي " .

- " فالواقع يصحح ويقوّم بالشرع ولا يتبع الشرع الواقع حيثما توجه، وإلا فقدنا مركزية الكتاب والسنة " .

- " ونتيجة لهجرنا الموعود للقرآن الكريم، لم نعول على المصطلح القرآني، لأن القرآن لم يؤلفه أحد الفقهاء الكبار كأبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك! " .

- " الاستتابة كحد الردة صناعة فقهية بحتة، لا وجود لها في القرآن الكريم ولا السنة النبوية، إذ لم يستتب النبي (ص) أحداً، وليس في القرآن والسنة إلا الترغيب في التوبة دون إكراه " .

- " والفقهاء المتأخرون لا يدركون أثر السلطة والتاريخ على الفقه والعقائد، فهم يظنون أن الفقهاء لا يخضعون للسلطة وأنهم إنما يراقبون الله فيما يعتقدون ويكتبون ويفتون.. الخ، فالمشكلة تكمن في عقل الفقيه واستيعابه للآثار السياسية الأولى ثم الآثار المذهبية المستقرة في أذهان طلبة العلم عبر المدارس والكتب " .


- " والسلطة أكثر سطوعاً في العقول البسيطة المتدثرة بالورع، أكثر منها أثراً في عقول الأدباء والشعراء والأطباء..الخ، وهذا أيضاً لسبب ظاهر، وهو أن المشتغل بالشعر أو اللغة أو الطب أو الفلك أو غيرها من العلوم يجد ما يثير فكره ويوسع استيعابه للأمور، بينما الفقهاء حاربوا العقل وحذروا منه – لخصومة مذهبية مع المعتزلة- فأصبح الأمر القرآني بالتفكر وإعمال العقل ذنباً فكرياً عند المذاهب بعد أن كان أمراً شرعياً في القرآن الكريم " .

الأربعاء، 27 مارس 2013

وهل في النساء نبيات ؟ عرض لرأي ابن حزم



من يتتبع آراء ابن حزم سيجده منتصرا للمرأة في كثير من القضايا بشكل ملحوظ كولايتها القضاء وحقوقها الزوجية وغيرها ، وقضية نبوة النساء من جملة ما سبق .

مسألة نبوة النساء :
يؤيد ابن حزم بقوة إثبات النبوة لبعض النساء وأنها ليست اختصاصا ذكوريا، و مسألة نبوة النساء مسألة قد يشنعها البعض على ابن حزم و يعتبر رأيه فيها شاذا دون بينة أو دليل .
ولم ينفرد بهذا القول فهناك من أيده كأبي الحسن الأشعري وابن عطية والقرطبي ، ولكن للأسف اعتاد البعض على أن رأيه و ما تلقاه هو الصواب دون تمحيص أو تدقيق ، و اعتاد الاكتفاء بما في ذهنه ، و أي محاول لتغيير ما رسخ فيه فهي جريمة و خطيئة كبرى تستوجب المكافحة .
على أي حال
تثير هذه المسألة بعض الجوانب المهمة
أنقل لكم مقتطفات من الفصل في الملل (5/12) مع بعض التعليق :

نبوة النساء


قال أبو محمد هذا فصل لا نعلمه حدث التنازع العظيم فيه إلا عندنا بقرطبة وفي زماننا فإن طائفة ذهبت إلى إبطال كون النبوة في النساء جملة وبدعت من قال ذلك وذهب طائفة إلى القول بأنه قد كانت في النساء نبوة وذهبت طائفة إلى التوقف في ذلك ( هذا فقرة تشير إلى أن نوعية من المسائل الاعتقاد أثيرت متأخرا ، والغريب أن البعض يستدل هنا بالدليل الموهوم " الإجماع " ! )


قال أبو محمد ما نعلم للمانعين من ذلك حجة أصلا إلا أن بعضهم نازع في ذلك بقول الله تعالى ) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم (


قال أبو محمد وهذا أمر لا ينازعون فيه ولم يدع أحد أن الله تعالى أرسل امرأة وإنما الكلام في النبوة دون الرسالة ( نقطة الخلاف والافتراق )

فوجب طلب الحق في ذلك بأن ينظر في معنى لفظة النبوة في اللغة التي خاطبنا الله بها عز وجل فوجدنا هذه اللفظة مأخوذة من الأنبياء وهو الإعلام فمن أعلمه الله عز وجل بما يكون قبل أن يكون أو أوحى إليه منبئا له بأمر ما فهو نبي بلا شك

وليس هذا من باب الإلهام الذي هو طبيعة كقول الله تعالى ) وأوحى ربك إلى النحل ( ولا من باب الظن والتوهم الذي لا يقطع بحقيقته إلا مجنون ولا من باب الكهانة التي هي من إستيراق الشياطين للسمع من السماء فيرمون بالشهب الثاقب وفيه يقول الله عز وجل ) شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا (
وقد انقطعت الكهانة بمجيء رسول الله

ولا من باب النجوم التي هي تجارب نتعلم ولا من باب الرؤيا التي لا يدري أصدقت أم كذبت بل الوحي الذي هو النبوة قصد من الله تعالى إلى إعلام من يوحي إليه بما يعلمه به ويكون عند الوحي به إليه حقيقة خارجة عن الوجوه المذكورة يحدث الله عز وجل لمن أوحى به إليه علما ضروريا بصحة ما أوحى به كعلمه بما أدرك بحواسه وبديهة عقله سواء لا مجال للشك في شيء منه أما بمجيء الملك به إليه وأما بخطاب يخاطب به في نفسه وهو تعليم من الله تعالى لمن يعلمه دون وساطة معلم

فإن أنكروا أن يكون هذا هو معنى النبوة فليعرفوا ما معناها فإنهم لا يأتون بشيء أصلا فإذ ذلك كذلك فقد جاء القرآن بأن الله عز وجل أرسل الملائكة إلى نساء فأخبروهن بوحي حق من الله تعالى فبشروا أم إسحاق بإسحاق عن الله تعالى قال عز وجل ) وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ( فهذا خطاب الملائكة لأم إسحاق عن الله عز وجل بالبشارة لها بإسحاق ثم يعقوب ثم بقولهم لها أتعجبين من أمر الله ولا يمكن البتة أن يكون هذا الخطاب من ملك لغير نبي بوجه من الوجوه

ووجدناه تعالى قد أرسل جبريل إلى مريم أم عيسى عليهما السلام يخاطبها وقال لها ) إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ( فهذه نبوة صحيحة بوحي صحيح ورسالة من الله تعالى إليها وكان زكريا عليه السلام يجد عندها من الله تعالى رزقا وأردا تمنى من أجله ولدا فاضلا

ووجدنا أم موسى عليهما الصلاة والسلام قد أوحى الله إليها بإلقاء ولدها في اليم وأعلمها أنه سيرده إليها ويجعله نبيا مرسلا فهذه نبوة لا شك فيها وبضرورة العقل يدري كل ذي تمييز صحيح أنها لو لم تكن واثقة بنبوة الله عز وجل لها لكانت بإلقائها ولدها في اليم برؤيا تراها أو بما يقع في نفسها أو قام في هاجستها في غاية الجنون والمرار الهائج ولو فعل ذلك أحدنا لكان في غاية الفسق أو في غاية الجنون مستحقا لمعاناة دماغه في البيمارستان لا يشك في هذا أحد فصح يقينا أن الوحي الذي ورد لها في إلقاء ولدها في اليم كالوحي الوارد على إبراهيم في الرؤيا في ذبح ولده فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لو لم يكن نبيا واثقا بصحة الوحي والنبوة الوارد عليه من ذبح ولده لكنه ذبح ولده لرؤيا رآها أو ظن وقع في نفسه لكان بلا شك فاعل ذلك من غير الأنبياء فاسقا في نهاية الفسق أو مجنونا في غاية الجنون هذا ما لا يشك فيه أحد من الناس فصحت نبوتهن بيقين

ووجدنا الله تعالى قد قال وقد ذكر من الأنبياء عليهم السلام في سورة كهيعص ذكر مريم في جملتهم ثم قال عز وجل ) أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ( وهذا هو عموم لها معهم لا يجوز تخصيصها من جملتهم وليس قوله عز وجل وأمه صديقة بمانع من أن تكون نبية فقد قال تعالى يوسف أيها الصديق وهو مع ذلك نبي رسول وهذا ظاهر وبالله تعالى التوفيق

ويلحق بهن عليهن السلام في ذلك امرأة فرعون بقول رسول الله e كمل من الرجال كثيرون ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون أو كما قال عليه السلام والكمال في الرجال لا يكون إلا لبعض المرسلين عليهم الصلاة والسلام لأن من دونهم ناقص عنهم بلا شك وكان تخصيصه e مريم وامرأة فرعون تفضيلا لهما على سائر من أوتيت النبوة من النساء بلا شك إذ من نقص عن منزلة آخر ولو بدقيقة فلم يكمل فصح بهذا الخبر أن هاتين المرأتين كملتا كمالا لم يلحقهما فيه امرأة غيرها أصلا وإن كن بنصوص القرآن نبيات وقد قال تعالى ) تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ( فالكامل في نوعه هو الذي لا يلحقه أحد من أهل نوعه فهم من الرجال الرسل الذين فضلهم الله تعالى على سائر الرسل ومنهم نبينا وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام بلا شك للنصوص الواردة بذلك في فضلها على غيرهما وكمل من النساء من ذكر عليه الصلاة والسلام . أهـ


ودمتم موفقين 
محمد الفودري

الأربعاء، 5 ديسمبر 2012

إنه موجز لحياة مفكر غامر في سبيل الحقيقة ... عرض لكتاب المنقذ من الضلال لأبي حامد الغزالي


" كما أن البعد المكاني تابع للجسم فالبعد الزماني تابع للحركة...
فلا فرق بين البعد الزماني والمكاني #عفوا.. ما نقل ليس
لأينشتاين بل للغزالي ! "
تغريدة سابقة

لأبي حامد الغزالي رحمه الله العديد من الكتب ، أهمها ثلاثة هي :

1- إحياء علوم الدين .

2- تهافت الفلاسفة .

3- المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال ، وهو الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه .

ولو ذكروا معه كتاب المستصفى في علم أصول الفقه لكان حسنا أيضا ، فهو أحد أربعة كتب هي بمثابة أعمدة علم أصول الفقه وقد كتبه في مرحلة نضجه الفكرية ...


نسمات عن الغزالي :

قبل البدء ينبغي التنبيه أن شخصية أبي حامد الغزالي رحمه الله ليست عادية وليس هو بالشخص التقليدي ، وكموجز لتجربتي معه فإن كثيرا من الآراء ظلمته وجعلته معاديا للمنطق والعقل بينما واقعه أنه سيد عقلاء زمانه !

فعندما رد الغزالي على الفلاسفة في التهافت ظن البعض أن كتاب ابن رشد " تهافت التهافت " قد قضى على الغزالي إلى الأبد ، بينما الواقع أن ابن رشد " فيلسوف قرطبة وفقيهها المبرز " هو من خرج خاسرا في هذه المعركة ، فهل تعلم أيها القارئ أن نقاشاتهم كانت تدور حول مسائل اليوم لعلوم الفيزياء والطبيعة فيها الكلمة المحسومة و المسموعة !

في معركة الغزالي وابن رشد (تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت)

جاء العلم الحديث ليؤكد الفوز الساحق للغزالي (حدوث العالم-

اتساع الكون-فناء النجوم)


ولم يتورط ابن رشد على ذكاءه إلا بسبب تقديسه المفرط لأرسطو

ولو خرج من عباءته مستقلا لزاد علوه ومجده .

والحديث عن الغزالي يطول جدا ، وشكر الله للشيخ عدنان إبراهيم إصداره لسلسلته الرائعة " أبو حامد الغزالي الباحث عن الحقيقة " وتركيزه فيها على ما يمكن أن يستفيد العصر الحديث من فكر الغزالي ومنهجه الفريد ، فليرجع إليه من أراد توسعا ع اليوتيوب

عرض الكتاب :

كتاب المنقذ من الضلال هو كتاب صغير الحجم والكمية ، كبير الفائدة و القيمة ، سيجد القارئ له أنه عبارة عن موجز لحياة الغزالي ومراحل حياته و سبب غربته التي دامت 11 سنة بحثا عن الحقيقة ، وملخصا لأراء الغزالي لأهم المدارس الفكرية التي عايشها في زمنه .

فيا ترى لماذا ترك الغزالي قمة مجده وجاهه ومنصبه وأهله ليسافر مغتربا 11 سنة ؟؟

كيف بدأ منهج الغزالي العلمي من الشك حتى بالحواس  إلى الوصول إلى يقينيات أخرى كبيرة ؟

ما قصة الغزالي مع الباطنية ؟ ( رد على من يتهم الغزالي بالجبن فهو من أشهر مواجهيهم ولمن لا يعرفهم فبالتأكيد قد سمع عن الحشاشين assassin ، جميل تتبع هذا الموضوع أيضا )

لماذا أعجب الغزالي بالتصوف وأهله ؟

وغير ذلك كثير ... ويكفي أن التحولات الفكرية لكبار المفكرين - والغزالي منهم دون شك -  هي محل للدروس و العبر وأن تجاربهم تستحق التأمل والوقوف عندها ...

بعض الاقتباسات من الكتاب :

كم من دواء ينتفع به مريض ويستضر به آخر #الغزالي

رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه رمي في عماية #الغزالي

أقل درجات العالم أن يتميز عن العامي الغمر، فلا يعاف العسل وإن وجده في محجمة الحجام، ويتحقق أن المحجمة لا تغير ذات العسل #الغزالي

ما لا يسبق سريعا إلى الأفهام لا يصلح للإفحام 

ختاما

لمن يريد أن يدرك عبقرية الغزالي وتأثيره على الفلسفة الغربية ليقرأ عن سرقة ديكارت ( نعم رينيه ديكارت الفيلسوف الفرنسي ) لأفكار الغزالي دون أي إشارة أو اعتراف بالنقل منه ، وخاصة كتاب المنقذ من الضلال ، من يتتبع الموضوع فسيجد غير ديكارت أيضا :)

ودمتم موفقين

محمد الفودري

الأحد، 26 أغسطس 2012

مهزلة قتل غيلان وعدالة الأوزاعي في الميزان ( قصة وواقع )


مهزلة[1] قتل غيلان ... وعدالة الأوزاعي في الميزان

 لوحة غيلان الدمشقي تضامنًا مع الثورة - “خذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا” الرسامة ريم علي

يقول أحكم الحاكمين في كتابه المحكم : ( وما كنت متخذ المضلين عضدا )

إن غياب العقل والإنصاف والتجرد من أهم أسباب رعاية الجهل وتأصيله وجمود العلوم وعدم تطورها ولهذا أثره على أصحاب تلك العلوم ومدارسهم ...

هذا الموضوع هو دعوة مبرهنة كغيره من الدعوات التي سبقته لإزالة الجمود عن علم الحديث الذي يدعي البعض أنه من العلوم المحترقة ولا مجال للتجديد فيها ، ولكنه لما كان علما مختصا بأصل عظيم من أصول الإسلام وهو السنة النبوية كان لزاما إعادة النظر فيه دون إلغاء للعقل واكتفاء بالتبعية دون تمحيص لبعض بشر ليس لهم أي عصمة ، وكإثبات أيضا أن هذا التراث الإسلامي - الذي يعبده البعض رافضا اجتهاد المعاصرين - يؤخذ منه ويترك ويحتوي على الغث والسمين لأنه نتاج بشر غير مستقل عن جانب البشرية المظلم ، وأيضا انتصارا لذلك الحر الأبي الذ قتل بسبب مطالبه العادلة وشجاعته ورأيه وإعماله لعقله ، وللتوضيح للناس إحدى نتائج تعاون " وعاظ السلاطين " مع حكومات القمع ، وأن استخدام الدين في سياسة الناس سلاح ذو حدين : إما تحرير الناس أو تعبيدهم ، التاريخ يكرر نفسه لكن من الذي يتعلم منه

يقولون : أن الحق ما قالت الأعداء ، وأن شهادة الخصوم على خصومهم من أوهن الشهادات وشهادتهم لهم من أقواها ، وأن إقرار المرء على نفسه سيد الأدلة ، وعلى هذا سار البحث .

# ترجمة الأوزاعي وغيلان الدمشقي :

1- الأوزاعي:
هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ( 88 - 175هـ ) على اختلاف في سنة وفاته .
يذكر أنه من فقهاء أهل الشام وقراءها وزهادها ، وأقوال المترجمين له كلها حسنة لا تكاد تجد فيها أحدا يذمه بل الكثير من المدح والتوقير له والإعلاء من شأنه كأحسن ما تقرأ من ترجمة ، عامة أهل الحديث على توثيقه [2]، وهو من رجال الصحيحين .
اختلف فيه رأي أحمد بن حنبل : فمرة قال عنه : ضعيف[3]، ومرة قال عنه : من الأئمة [4].

2- غيلان [5]:
هو أبو مروان غيلان بن أبي غيلان مسلم مولى عثمان بن عفان القرشي ، اشتهر بغيلان الدمشقي ، وينعته خصومه بالقدري نسبة إلى القدر .
لا تجد في تراجم المحدثين له إلا ذما وأنه ضال مسكين  ، وذلك لقوله بالقدر عندهم .
ومع ذلك ذكر أن الخليفة عمر بن عبد العزيز قال عنه : من سره أن ينظر إلى رجل وهب نفسه لله ، ليس فيه عضو إلا ينطق بحكمة فلينظر إلى هذا [6].
ولا تختلف المصادر باختلاف توجهاتها على أن عمر بن عبدالعزيز قد عين غيلان الدمشقي في بعض المناصب ، ولكن تختلف في توجيه سبب هذه التولية .

# قصة الأوزاعي مع غيلان الدمشقي :

قبل بدء ذكر القصة الأليمة والشهيرة فلا بد من إعطاء تصور للقارئ عنها :

غيلان الدمشقي كان واليا على رد المظالم في خلافة الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز ، قال له الخليفة : " يا أبا مروان ، أعني أعانك الله " .
فقال غيلان : " ولني رد المظالم " .
 فولاه ، فكان يخرج خزائن بني أمية فينادي عليها : " هلموا إلى متاع الخونة " .
ونادى على جوارب خز قد تآكلت بلغت قيمتها ثلاثين ألفاً ، فقال : " من عذيري ممن يزعم أن هؤلاء أئمة عدل ؟ قد تآكلت هذه الجوارب في خزائنهم ، والفقراء والمساكين يموتون جوعاً " .
فلما ولي هشام - بعد وفاة عمر - بعث إليه واستنطقه فقال : " أعوذ بجلال الله أن يأتمن الله خواناً أو يستخلف خزاناً ؛ إن أئمته القوامون بأحكامه ، الراهبون لمقامه ؛ لا يول الله وثاباً على الفجور ، ولا شراباً للخمور ، ولا ركاباً للمحظور "[7].

هنا يمكن القول أن بقاء غيلان صار أمرا لا يطيقه هشام فلذلك لجأ إلى الأوزاعي قائلا : " خاطبه وناظره وحاججه فوالله لئن ظفرت به لأقتلنه "

ولنرى إلى هذه المحاججة الهزلية التي خسرت بها الأمة أحد أحرارها ولننتبه أن حكاية القصة هي كلها من كتب المحسوبين خصوما لغيلان :

قال  الأوزاعي لغيلان : " تسألني أو أسألك ؟ "
 فقال له غيلان : " سلني ولا تكثره "
فقال الأوزاعي : " اختر إن شئت ثلاث كلمات و إن شئت أربع كلمات و إن شئت واحدة ". فقال غيلان : " بل ثلاث كلمات ".
فقال الأوزاعي : أخبرني عن الله عزّ و جلّ هل قضى على مانهى؟
فقال غيلان : ليس عندي في هذا شيء.
فقال الأوزاعي : هذه واحدة. ثمّ قال : أخبرني عن الله عزّ و جلّ أحال دون ماأمر؟
فقال غيلان : هذه أشدّ من الاُولى ، ما عندي في هذا شيء.
فقال الأوزاعي : هذه اثنتان يا أمير الموٌمنين ثمّ قال : أخبرني عن الله عزّ و جلّ هل أعان على ما حرّم؟
فقال غيلان : هذه أشدّ من الاُولى و الثانية ، ما عندي في هذا شيء.
فقال الأوزاعي:هذه ثلاث كلمات .
فأمر هشام فضربت عنقه.

 ثمّ إنّ هشاماً طلب من الأوزاعيّ أن يفسّر له هذه الكلمات الثلاث. فقال الأوزاعي: أمّا الأوّل فإنّ الله تعالى قضى على ما نهى ، نهى آدم عن الأكل من الشجرة ثمّ قضى عليه بأكلها. أمّا الثاني فإنّ الله تعالى حال دون ما أمر ، أمرإبليس بالسجود لآدم ثمّ حال بينه و بين السجود ، و أمّا الثالث ، فإنّ الله تعالى أعان على ما حرّم ، حرّم الميتة و الدم و لحم الخنزير ، ثمّ أعان عليها بالاضطرار .
قال هشام : والرابعة ما هي يا أبا عمرو ؟ قال : كنت أقول : مشيئتك مع الله أم دون الله ؟ فإن قال : مع الله فقد اتخذ مع الله شريكا ، أو قال : دون الله فقد انفرد بالربوبية ، فأيهما أجابني فقد حل ضرب عنقه بها ، قال هشام : حياة الخلق وقوام الدين بالعلماء.

وهكذا قتل غيلان الدمشقي !!!

قتل بسبب أنه لم يجب على أسئلة معقدة يكون كافرا إن لم يجب عليها بل وحتى لو أجاب بأي احتمال فإنه يكفر بها !!!
يتبجح الأوزاعي : " فأيهما أجابني فقد حل ضرب عنقه بها " !! والأدهى والأمر أن هشاما " ولي أمر الأوزاعي " حاله كحال غيلان تماما يجهل الإجابات التي يجوز بها ضرب الأعناق ، ولكن يصمت الأوزاعي صمتا عن ولي أمره وحاله كحال غيلان تماما !!

بمثل منطق الأوزاعي أضمن أني أستطيع أن أقطع رقاب الأمة كلها ، حتى ألئك الذين ينتمون لنفس فكر الأوزاعي بل حتى الأوزاعي نفسه !!

أبهذا تستحل الدماء ويقتل الأحرار ؟!

أنقل بقية المشهد - على خلاف في صحته - ماذا حصل بعد المحاججة الهزيلة وقت تنفيذ حكم الجائر في حق غيلان كما كتبه محمد الكوخي بتعليقاته :

" المهم أن الخليفة حصل على ما يريد فأمر بصلب غيلان يعد قطع يديه ورجليه وتعليقه بباب كيسان بدمشق. فتوجه غيلان إلى الناس قائلا : " قاتلهم الله ( يقصد الأمويين). كم من حق أماتوه ( الحرية, العدالة...) وكم من باطل أحيوه ( أيديولوجيا القدر...) وكم من ذليل في الدين أعزوه ( من أمثال ابن أبي سرح...) وكم من عزيز في الدين أذلوه ( وعلى راسهم الحسين بن علي الذي قتل في كربلاء...). فغضب الأمويون الذين سمعوا هذا الكلام من غيلان وذهبوا إلى هشام يقولون له: قطعت يديه ورجليه وأطلقت لسانه ( وهل هناك ما هو أهم عند المفكر من لسانه؟). إنه أبكى الناس ونبههم إلى ما كانوا عنه غافلين. فأرسل إليه من قطع لسانه... "[8].

# التهم التي قتل بسببها غيلان وتحقيق القول فيها :

بحسب مراجعة المصادر التاريخية فإنه يمكن إيجاز التهم التي قتل بسببها غيلان إلى تهمتين كلاهما لا يصلح سببا للقتل أبدا  :

التهمة الأولى : وهي الواضحة من القصة وهي قضية القضاء والقدر ومسألة الخير والشر :

المتأمل لمذهب المعتزلة أو " أهل العدل والتوحيد " كما يلقبون أنفسهم ، وهو نفس المذهب الذي يتبنى رأي غيلان الدمشقي في القدر يجد أنه لا ذنب لهذا الفكر الحر سوى أنه رفض أن تنسب الشرور التي نفلعها نحن البشر إلى الله تعالى ويرفض رفضا تاما المنطق المتهافت الذي يؤصل باسم الدين أن جميع الشرور من قتل واغتصاب ودمار وآلام مصدرها هو الله ( قل هو من عند أنفسكم ) .

إن نظرة المعتزلة إلى القدر نظرة عميقة تؤمن إيمانا تاما أن الإنسان هو المسؤول عن أفعاله وأنها تنسب إليه حقيقة لا مجازا وأن الله سبحانه أعظم وأجل من أن يجبرنا على الأفعال التي نفعلها ثم يلقينا بالنار بناء على جبره لنا ، ويؤصلون لهذه الفكرة المنطقية الواضحة بأدلة نصية شرعية من القرآن والسنة ويؤمنون إيمانا تاما بالعدالة الإلهية التي يرفضها كثيرون من مخالفيهم ، فلم يكن هذا الفكر ابتداعا اختلقوه من أنفسهم بل هو فهمهم لدينهم بطرق شرعية منطقية لا غبار عليها ، ولكن ... ؟
رغم بساطة هذا الفكر ووضوحه فهو يحارب بشدة لأن المتأمل في الموضوع يجد أن بداية استغلال مسألة القدر والفكر الجبري لإخضاع الناس للحاكم الظالم تنسب إلى بداية العهد الأموي .
ولا يخفى أن الفكر الذي كان في الجاهلية قبل الإسلام فكرا جبريا محضا اعتادته العرب فيبدو أن مستغل قضية القدر قد استفاد من هذه النقطة قبل أن تموت .
وأيضا لو نجح الحاكم الظالم المستبد من  خلال أوراق سلطته الدينية التي يخضع بها الناس له في إقناعهم بأن مصدر الشرور وأن ما بهم من مصائب هو قضاء وقدر وشيء يستحقونه فإنه بذلك سيضمن قبول الناس لتناقضاته لأنهم آمنوا برب شرير ورحيم في نفس الوقت فمن باب أولى أن يتقبلوا وجود من هو دون الإله كذلك متناقضا . ( لنتأمل في واقع بعض الشعوب قليلا )

بالمناسبة :  تجد في أفكار بعض مخالفي فكر المعتزلة في هذه القضية أن الله يحق له إدخال النبي صلى الله عليه وسلم جهنما وإدخال فرعون وأبي لهب للجنة ولا يكون هذا ظلما !! تعالى الله الحكيم الذي حرم الظلم على نفسه والعبث عن ذلك علوا كبيرا .

وأعتذر عن الإطالة السابقة رغم إيجازها وأهميتها ، والمهم أن هذه تهمة لن تقبل الشريعة بقتل صاحبها أبدا .

التهمة الثانية وهي الأهم والسبب الرئيسي : أن غيلان الدمشقي يرفض الحكم الوراثي ويؤمن إيمانا تاما بأن الأمة هي من يحق لها اختيار الخليفة والحاكم لا أن يفرض عليها فرضا :

انتشرت قديما أحاديث الله أعلم بمن روجها مفادها أنه لا يحق أن يحكم المسلمين أي شخص غير قرشي ، وبغض النظر عن الخلاف في هذه المسألة التي توجد في نصوص الشريعة ما يصادمها ويرفضها بل ليت شعري كيف غابت هذه النصوص المتواترة عن الصحابة رضوان الله عليهم في قضية اختيار الخليفة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

المهم أن غيلان الدمشقي كان من الرافضين لهذه الفكرة ورأيه باختصار :
أن الإمامة " تصلح لغير قريش. وكل من كان قائما بكتاب الله والسنة كان مستحقا لها. وهي لا تثبت إلا بإجماع الأمة "[9].
إنه رأي حر أصيل يرفض الاستبداد والدكتاتورية ويدافع عن حق الأمة والشعوب في اختيار ممثليها ، وهذه الرأي يهدد استمرار الحكم الوراثي الذي قامت عليه الدولة الأموية .
لذلك فإن كان هناك من سبب يدعو السلطة الأموية في ذلك الوقت لقتل غيلان فهذا أهمها حتما .

# وبهذا يتضح أن سبب قتله هو سياسي لكنه تم تحت غطاء ديني متوهم تبرأ منه الشريعة تماما !!

# ردة فعل سلبية اتجاه مقتل غيلان :

( ... من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا )

للأسف الشديد وكعادة الاستبداد المبرر من قبل وعاظ السلاطين ، بعد قتل الخليفة هشام لغيلان الدمشقي كأنه شعر ببعض الندم لقتله هذا الحر وأن في قتله ريبا وعجلة ، فهل نصحه وعاظ السلاطين بالتوبة عن فعلته أم أيدوا فعلته وبرروها ؟ من نماذج ردود الفعل والحكم للقارئ :

1- بلغ نمير بن أوس " قاضي دمشق " أنه وقر في صدر هشام بن عبدالملك من قتله غيلان شيء فكتب إليه نمير " لا تفعل يا أمير المؤمنين فإن قتل غيلان من فتوح الله عز وجل العظام على هذه الأمة " !! [10].

2- عن رجاء بن حيوة أنه كتب إلى هشام بن عبد الملك : " بلغني أنك دخلك شيء من قتل غيلان ولقتل غيلان وصالح أحب الي من قتل الفين من الروم " !![11].

3- أخطر ردود الأفعال هو وضع الأحاديث واختلاقها كذبا وزورا على النبي صلى الله عليه و سلم لأجل محاولة تخفيف هذه الفضيحة بذم غيلان وأنه شر من الشيطان بل وفي ذم القدرية عموما ، من ذلك ما رواه أحد الكذابين :
" يكون في أمتي رجلان أحدهما وهب يهب الله له الحكمة والآخر غيلان فتنته على هذه الأمة أشر من فتنة الشيطان "[12].
وكذلك يجد الناظر في الكتب الكثير من أحاديث ذم ولعن القدرية ، ولكن التحقيق العلمي يقول أنه لا يصح في هذا الباب أي حديث .
فمن الذي اختلق الأحاديث ولماذا ؟

للفائدة :
قال الفيروزابادي: لا يصح فيذم المرجئة والقدرية حديث.

والقدرية لقب يطلقه خصوم المعتزلة عليهم وهم يرفضونه بل ويتسمون بأهل العدل والتوحيد والمنطق العلمي يؤيد رفضهم له فكيف ينسب المرء إلى شيء ينفيه ؟ عموما ليت الذين يتأذون من معركة الألقاب أن يهتموا لغيرهم إن كانوا لا يرضون أن يناديهم مخالفوهم بألقاب لا يحبونها ( كذلك زينا لكل أمة عملهم ) وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم به .

# تواتر قصة الأوزاعي وهشام وغيلان :

يتواتر ذكر هذه القصة في الكتب سواء العقدية أو التاريخية ، ويجدها الباحث في أمهات كتب علماء أهل السنة بإقرار لها وافتخار مخجل – مع الأسف الشديد – فإنكارها من الصعوبة بمكان ، حتى لو أنكرها منكر  فماذا سيفعل مع التأصيلات و التبريرات و الترقيعات التي نتجت عنها ؟[13]
هذا أحد أهداف الموضوع

# مفهوم العدالة وحال عدالة الأوزاعي  :

من شروط صحة سند الحديث أن يكون رواته عدولا وإن سقطت العدالة عن أحد الرواة فإن الرواية عنه ليست بحجة ودين الله أجل أن يؤخذ ممن ثبت سقوط عدالته ، فما هي هذه العدالة يا ترى ؟

مفهوم العدالة مختلف فيه بين المحدثين لكن محل الاتفاق أنها وصف يدل على الصدق حتما وكذلك استقامة الإنسان دون إغراق في المعاصي وفرق بين المعاصي والكبائر ، أما الوقوع في الكبيرة فهي من مسقطات العدالة حتما دون نزاع كالقتل والزنا والسرقة ونحوها .

قال ابن حجر في تعريف العدل  :" من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة " .
وأقل مروءة وتقوى هي التورع عن دماء الناس وعدم الدخول في تصفيات سياسية قذرة .

قال الشوكاني : " بل يثبت الجرح بما يوجب سلب العدالة المعتبرة في الشهود " .
فهل تقبل شهادة متسبب بالقتل بفتواه الساذجة ؟ بل رفض أيضا أن يطبق منطقه الذي قتل به إنسانا معصوم الدم على غيره بحجة ولي الأمر طبعا !!


والله تعالى يقول : ( ممن ترضون من الشهداء )

# لماذا يغيب هذا التغاضي الواضح الصريح لمسقطات العدالة عن الأوزاعي ؟

هناك ثقافة قديمة انتشرت في بعض التيارات الدينية ولا تزال إلى اليوم وهي ثقافة تقديس الأشخاص لا شعوريا والظن بأنهم من المرضي عنهم دون شك وقطعا رغم كون ذلك أمرا غيبيا لا يطلع عليه إلا الله ، وقد تجد من يصرح بذلك بقوله أو بفعله ، وكمثال على ذلك قول ابن أبي داود في قصيدته التي تعرف بالحائية[14]:

ومالك والثوري ثم أخوهم :: أبو عمرو الأوزاعي ذاك المسبح
ومن بعدهم فالشافعي وأحمد :: إماما هدى من يتبع الحق ينصح
(( أولئك قوم قد عفا الله عنهم !!))  :: فأحببهم فإنك تفرح

فتجد أحد علماء القرن الثالث الهجري وابن أحد أبرز المحدثين يقول جازما بعفو الله عن بعض بشر أحبهم وهو أمر غيبي بحت لا مصير إلى إدراكه والأصل في الغيبيات التوقف - والمسلمون عموما محل لحسن الظن دون تعد للجزم بالعفو أو الرضا عنهم – فليس بمستغرب أن يتم رفض إعمال العقل في سبر بعض الرواة لأنه اعتقد أنهم من المعفي عنهم متآليا على الله أو لأنهم من مثل فكره ومنهجه وهو يؤمن أنه لن يدخل الجنة إلا من كان مثل فكره !!

وما الظن بتنامي هذه الثقافة اليوم لتصل إلى الجزم بربانية بعض البشر وأنهم علماء لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم رغم تناقضاتهم الصارخة ، ولا بد من التأكيد أن مثل هذا التقديس قد لا تجد من يصرح به بل تجد رفضه قولا ولكنه إن لم تظهره أقوال المتعصب أظهرته أفعاله ، إنها ثقافة خفية تحجب العقل عن بعض نواحي التفكير .
ولا يزال الإسلام يجني بعضا من أشواكها إلى اليوم من بعض المذاهب والتيارات المنتسبة إليه .

# آراء رواة الحديث ليست شرطا :

هذه المسألة مثال جميل أن آراء رواة الحديث ليست سببا رئيسا في قبول رواياتهم أو ردها وإنما العبرة بالصدق و الأمانة وملازمة التقوى والورع واجتناب الكذب والنفاق .
حاسبوا رواة الأحاديث على صدقهم لا على آراءهم ، ولا حاجة إلى تفصيل القول في هذا الموضوع لوجود تيار في علم الحديث يؤكد أن العبرة بصدق الراوي لا بمذهبه .

وبمثل قضية النظر إلى أفكار الرواة كدنا أن نخسر عدالة " محمد بن إسماعيل البخاري " كما كدنا أن نقدس عدالة الأوزاعي !

العبرة بالصدق والحكمة ضالة المؤمن أيا كان مصدرها ، مع الإقرار بأن للمسألة تفصيلات .

وإن أصررنا على أن رأي المحدث مؤثر في مسألة الحديث فجميل لكن إن التزمنا به مع كل الرواة حتى الذين ينتمون إلى مثل فكر الأوزاعي فهم لديهم جانب غلو لا ينكر في مسألة القدر فلم لا تعتبر أحاديثهم غير مقبولة في هذه القضية تمشية للقاعدة ؟

لقب المبتدع لا توجد فرقة أحق بها من الأخرى وكل يؤخذ من قوله ويترك ، ومن التفت إلى هذه الجزئية أدرك عمق رأي من يكتفي بعدالة الراوي وصدقه في المقام الأول دون أن يكون هذا الاهتمام نفسه لمعتقده ، ومن كذب في ترويج معتقده فجائز أن يكذب فيما سواه أيضا .

# الذي يسير وفق المنهج التقليدي في تتبع الرجال أمام خيارين حتى يكون صادقا مع نفسه ومحترما لعقله وقواعد العلم ، والأهم من كل ذلك هو أن المسألة تتعلق بعلم يتعامل مع أصل عظيم من أصول الإسلام وهو السنة النبوية  :

1- إما تطبيق قواعد العلم المعقولة والمنطقية بإسقاط عدالة الأوزاعي ورفض كافة مروياته المنفرد بها ، وذلك لتسببه في جريمة قتل عمد والقتل من الكبائر قطعا بل والقتل العمد وشبه العمد من المسقطات للعدالة ، ولاشتراكه في مداهنة ونفاق السلطة كما هي الروايات المثبتة وهو أحد مسقطات العدالة أيضا ، وبالتالي رفض شهادات أهل الحديث في الأوزاعي وإعادة النظر فيها بل وفي منهج الجرح والتعديل عموما وخاصة عدم الاقتصار على كلام المختصين بل لابد من تتبع سير الرواة وفق منهج جديد ودون أحكام مسبقة  .
ولا ننسى أنه قد تقدمت رواية لأحد أئمة هذا الفن و هو أحمد بن حنبل قد جرح فيها الأوزاعي ، وهذا التجريح أولى بالأخذ وما تقدم في الموضوع هو تفسيره .

2- أو الطعن بالروايات والقصة المتواترة بالكتب التي تثبت إشتراك الأوزاعي اشتراكا صريحا في القتل وأنه كان أداة للسلطة في قمع المخالفين ، وبالتالي إبطال كلام أهل السنة في هذه الجزئية في أمهات الكتب التي تدعى أنها أصول السنة وأنها تحتوي الحقيقة المطلقة ، وتحتم مراجعة خرافة ( جواز قتل المبتدع ) وليكمل من راجعها بقية الأصول – تطهيرا لعقله قبل أي شيء - كمسألة وجوب الخضوع للحكومات الظالمة ، أومسألة القدر ولينظر إليها من كتب أهلها لا كتب خصومها ليتأكد مَن مِن الفريقين أحق بالحق أو على الأقل أليس للمخالف وأدلته النقلية والعقلية أية وجاهة ؟ وبالتالي تصحيح النظر في الخلافات العقدية التي لا يزال البعض يستغلها في رعاية الجهل و الكراهية ، للأسف .

( الوجاهة في مسألة القدر ، أما إيجاب الخضوع للظلمة وعدم إزعاجهم فهو مرض لا يعرفه منطق إنساني أو دين سليم )
انظر ::: 

براءة الشريعة من منطق ( اسمع وأطع ولو ضرب ظهرك واغتصب أهلك ) مناقشة لمتن الحديث وسنده


في كلا الحالين لابد من ثورة علمية تجديدية .

# الخاتمة :
ظاهرة غيلان الدمشقي تكررت على مدى التاريخ والأمم ، وإلم تكن بقتل الشخص كانت بقتل كتبه بإحراقها ، أو قتل سمعته بالتشويه من خلال النفوذ الإعلامي .
ولكن وكما يروى عن المسيح عليه الصلاة والسلام :
" الحق الحق أقول لكم ، ان لم تقع حبة الحنطة في الارض و تمت فهي تبقى وحدها و لكن ان ماتت تاتي بثمر كثير "[15].
فقد أخطأ من ظن أن الفكرة تموت ، بل لا يوجد شيء يضمن بقاء الفكرة مثل اضطهاد صاحبها .
وهاهي ظاهرة معاداة العقل في أولى مراحل انحسارها والربيع العربي ألقى بظلاله على بعض تياراتها ، كما أن ظاهرة تقدير نعمة العقل وإعماله مع النقل بدأت تعود لهذه الأمة لتعلن عن قرب نهضتها مودعة حقبة من الظلام والاضطهاد بإذن الله ... وملامح نضج الخطاب الإسلامي المنشود الذي لا يزال في مرحلة النضج والتمحيص والتكوين تؤكد ذلك .

( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال )

بالمناسبة : يقولون أن الأوزاعي من رواة أحاديث قتل المرتد :)

دمتم منمنمين تحقيقا وتدقيقا
محمد الفودري

# التدوينة مسودة أولية ، لكنها صالحة للنشر على أية حال ورغم وجود بعض المآخذ ، لكن حتى لا يتأخر نشرها أكثر .



[1] المهزلة أصلها من هزل وقد أقر استحداثها مجمع اللغة العربية  .
[2] انظر بعضا من ترجماته : تهذيب التهذيب لابن حجر (6/218) ، حلية الأولياء لأبي نعيم (6/ 135) ، طبقات ابن سعد (7/488) .
[3] تهذيب التهذيب لابن حجر (6/218) .
[4] تاريخ أبي زرعة الدمشقي ص 53 .
[5] الكامل في الضعفاء للجرجاني (6/9) ، الضعفاء الكبير للعقيلي (3/436) ميزان الاعتدال للذهبي (5/408) .
[6] التذكرة الحمدونية لابن حمدون (3/193)
[7] المصدر السابق .
[8] مقالة مأساة العقل في الإسلام :غيلان الدمشقي (مؤسس الفكر الديمقراطي في التاريخ الإسلامي) لمحمد الكوخي .
[9] الملل والنحل للشهرستاني (1 /147)
[10] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (28/66) من أوسع من تطرق لهذه القضية ولكنه محسوب على أنه مخالف لغيلان وشهادات المخالفين على بعضهم الأصل ردها .
[11] لسان الميزان لابن حجر العسقلاني (3/170)
[12] الطبقات الكبرى لابن سعد (5/543) ، والحديث موضوع كذب مفترى كما أشار إلى هذا العقيلي
[13] بعض من مراجع القصة وهي كثيرة جدا : الإخلاص والنية لابن أبي الدنيا ص 113 ،العقد الفريد لابن عبدربه الأندلسي (2/206) ، معجم ابن الأعرابي (4/192) ، الشريعة لمحمد بن الحسين الآجري (2/958) ، اعتقاد أهل السنة للالكائي (4/719) بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (1/276) ، تاريخ مدينة لدمشق لابن عساكر (/) .
[14] قصيدة عبد الله بن سليمان الأشعث ص 19 .
[15] يوحنا 12: 24 .