‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأعمال الأدبية والشعر والخواطر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأعمال الأدبية والشعر والخواطر. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 13 أكتوبر 2013

حيرة الأمام !!


هي تلك اللحظات التي تدرك فيها أنك قد أصبت ما كنت ترنو إليه بل قد تجاوزته ، ليس هذا فحسب بل أنك ببلوغك تلك التلة وجدت نفسك قد حققت حلما طال انتظاره لكن دون تلك المشاعر التي كنت توقعتها قديما حين تصل قمة التلة فتدرك أن كل ما فعلته ليس سوى إحماء لبداية الانطلاق من الصفر ... مرة أخرى ، ويا لصعوبة البدايات !

حينها هل هناك ما يساعد لبدء رحلة جديدة سوى آمال جديدة وتنقيب في الذاكرة وما خلفها عن تلك الجزرة التي تدفع النفس للأمام ؟ لا تدري هل رحلة الحياة تستحق أن تمضي قدما في تلال جديدة وأراض شاسعة أخرى أم نستظل تحت شجرة الراحة حفاظا على الوقت وعلى تلك الحمولة التي تزداد كلما زاد نفاد رصيد العمر مكتفين بتلك الغنائم التي سقطت قيمتها من أعيننا لما عرفنا حقيقتها بتملكها لكن لا تزال محل غبطة عند ألئك الذين لم يعرفوها !

نود أحيانا أن نلغي نظرة المجتمع عن التدخل في سير رحلتنا الوحيدة ، ولكنهم ضمن الرحلة جبرا واختيارا ، ومن يضمن أن الرحلات السابقة أو المستقبلة ليس لمحيطنا أي تأثير بها ؟ فحين تود أن تمضي وحدك ستجد أنك لا تكاد تعرف نفسك و أنك تعيد تعريف نفسك بما يتجاوزها إلا إن قررت التضحية بأجزاء من نفسك لتسير بعدها فاقدا بعض أجزاءك متألما ... نعم قد تجاوز بعضهم الألم حين حسموا بالزيت تلك الجراح ، ولكن ماذا بعد ذلك ؟ هل رحلتنا تستحق تلك التكاليف  ؟

أقسى ما في تلك الرحلات هو أكثرها إثارة ومتعة ، فحين تجد النهاية ليست سوى بداية تذوق طعم الإحباط لبلوغك سرابا ، وفي حين تسعد وتشرق في ذلك العالم الجديد ، ولكن تبقى تلك اللحظات المفصلية ما بين الرحلتين حين تنازعك نفسك الأرضية ونفسك السماوية حول الخلود إلى الأرض أو المغامرة لبلوغ قمة فعلية ...

في كل لحظة وخاصة تلك العصيبة والمفصلية نفهم جيدا أن ذاتنا نصفين صديق وعدو ، وندرك أيضا حدس الروح وخداع العقل ، لكن مع تكرارها نجد صراع الذات يكبر فنضطر كالسلاحف أن نبيت داخل الأصداف منعزلين ريثما ينبت استقرار لا ندري بعده ما يخرج من تلك الأصداف !

دمتم بخير 
محمد الفودري

الخميس، 28 فبراير 2013

السياسة والصحة النفسية ، ما بين التحلطم والحركة




في ملتقى الإبداع الأسري الأخير  في إحدى محاضرات د جمال الملا الشيقة تطرق المحاضر لموضوع البعد عن متابعة الأخبار السيئة حفاظا على الصحة النفسية ...

ومنذ أن طرح هذه القضية شغلت بها تفكيرا ، هل يعني ذلك أن أتخلى عن متابعة ومعرفة الواقع وأعيش في قصر من وهم ناسيا الواقع الذي قد يقضي علي بجهلي التام عنه !! لا شك أن ترك هموم السياسة مريح لكن في الوقت نفسه سأخدع نفسي بهذه الفعلة !

لم تنتهي الدورة حتى أتت إجابة جميلة شافية من أحد الحاضرين ، شخص من أهل الشام ..

تحدث عن تجربته وانشغاله بهموم السياسة وواقعنا العربي الجميل حتى أثر ذلك عليه أثرا جسيما وأصابه بأمراض عديدة

بمراجعته للطب النفسي نصحوه بالتوقف تماما ، لكن عاد التساؤل إلى ذهنه هل أترك الانشغال بالواقع ؟

كان حله المثالي والعلاج الذي اتبعه وجعله أفضل حالا أنه رفض أن يكون مجرد متابع صامت أو من حزب " الحلطمة السياسية " الواسع الانتشار في الكويت ، وقرر أن يكون مبادرا وفعالا اتجاه المشاكل التي يراها ولو بأي دور

اليوم هو ناشط في الإغاثة للشعب السوري وتكفل بتجهيز عمارة كاملة للاجئين !

كلنا ننفعل من سلبيات الواقع ، لكن من منا يستغل هذا الانفعال ؟

ودمتم موفقين

الأحد، 17 يونيو 2012

دواخانة ... قصة قصيرة


قبل عدة أشهر شاركت بهذه القصة القصيرة في مسابقة الجليس للقصة القصيرة ، ومرت الأشهر ويبدو أن الطيور قد طارت بأرزاقها ، فعلى الأقل أنشرها هنا  في المدونة ...

لا أحب أن أحرق محتوى القصة وما الذي تتحدث عنه وليكن الحكم إلى القارئ ، ولكن يمكن القول أنها محاولة لعلاج ظاهرة خطيرة لا بد من مكافحتها حتى لا تغرق السفينة ، ولا أستغني عن أي توجيه وإرشاد أو نقاش وخاصة المحتوى الفكري ...

كتابة القصة تجربة جميلة ولها لذة تتفوق على القراءة ، إنك أنت من يصنع عالمك الخاص وتعيشه ، قم بتجربة هذا العالم لعلك تدرك لذة كنت تريدها ..

قراءة ممتعة ودمتم منمنمين بالسعادة والإفادة 

محمد الفودري



القصة القصيرة :


دواخانة

مسرح

في ذلك المسرح النائي بعيدا عن ضوضاء المدينة ، وقف عريف الحفل في وسط المنصة الخشبية المحاطة بستائر حمراء مغبرة ليعلن عن انتهاء فعاليات أسبوع " دعوة للتقارب " ليختتم حديثه بعدما تم توزيع التذكارات وتبادل الهدايا الرمزية بين أبرز المدعوين والمشاركين بكلامه الإنشائي :
" ... وفي ختام هذه الأمسية التي بها انتهى أسبوعنا الحافل بالدعوة إلى التقارب بين فئات وطننا الحبيب ، فإنه لا بد من التذكير أنه لا تقارب إلا بإلغاء ما سوى الوطن من النفوس فلأجلك يا وطن أنكرك يا ذات ، والسلام أجمل ختام ، وحياكم الله على العشاء أيها الأحبة "
عم التصفيق أرجاء المسرح رغم قلة امتلاء تلك الكراسي البيضاء بالحضور الذين قاموا بالانصراف سريعا إلى قاعة العشاء بينما ظل فريد جالسا على كرسيه في آخر القاعة يتأمل الرسوم التي زينت جدرانها اليمنى بفلكلور بحري وآخر صحراوي عن يساره بينما علت المسرح القديم نقوش تكررت فيها ألوان علم بلاده متذكرا أحداث الأسبوع ومتحدثا مع نفسه :
" آه ... أسبوع كامل من تناول المشكلة دون طرح لعلاجها بكل واقعية ، ومن ثم يستغربون لم لا ينجحون في مكافحة هذه الفتنة التي لا تسعد إلا المتطرفين ؟! يا ليتهم لو ...  " قاطعه صوت :
- فريدان ، دائما سرحان .
التفت فريد خلفه مبتسما لأنه يدرك أن صاحب هذه العبارة صديقه حمد ، فعدل من جلسته وقال : " ما بك أيها الطويل ؟ كأنك قد خرجت أثناء المحاضرات ؟ "
- " اسكت يا فريد ، فقد سمعت ما كدر خاطري كثيرا فلم أتحمل سماع المزيد لذا خرجت أوسع صدري بعد ضيقته "
= " وما حل بك يا حمد ؟ اجلس قليلا وأخبرني بالذي ألم بك من هم ؟ " ، سحب كرسيا من أمام فريد وجعله مقابلا له ملقيا عليه ثقله قائلا : " إيه ... أتصدق ؟ بدأت أقتنع بالكلام الذي دار بينك وبين مدير الملتقى البارحة "
= تقصد عن الاكتفاء بترويج الوطنية كدواء للفتنة وإهمال دور الدين ؟
- نعم بالضبط .
= " أسعدتني بذلك ، ولكنه أمر غريب ، نادرا ما نتوافق بالآراء رغم كوننا أصدقاء ، هات الزبدة ، ما الذي حصل ؟ " أخذ حمد نفسا عميقا وصمت برهة قبل الحديث ثم قال : " في محاضرات اليوم سمعت ما يكدر الخاطر وينذر بالمكروه – لا سمح الله به – عندما تكلم المحاضر الأول وأظنك قد سمعت حديثه الجميل الإنساني ، سرحت قليلا عن المتابعة وانتبهت لحديث ثلاثة يجلسون أمامي من مثل فئتنا يتخافتون بينهم بحديث استغربته منهم :
قال أحدهم : متى ينتهي هذا المنافق المتملق من الحديث ؟
الثاني : أنا مثلك أيضا مللت من سماع ممثل فئة الدخلاء على أرضنا .
الثالث : لا عليكما منه الجميع يعلم أنه ممثل بارع ويعرفون بواطنه الفاجرة .
الأول : صدقت بل كل من هو من نفس فئته كذلك ،إنهم عار على الدين يا لهم من أوغاد .
ثم شغلت عنهم مذهولا مما سمعته ، ولم أفق إلا على مجيء دور المحاضر الثاني وقبل أن يتحدث سمعت همسات دارت بين اثنتين من الحضور جالستين خلفي :
الأولى : زوجي كرهني في هذا الرجل ، تخيلي أنه يظهر بمظهر صاحب الطرح المعتدل العقلاني بينما هو يحذر الناس منا ويأمرهم بإظهار الغلظة تجاهنا حتى نشعر بالضيق والحرج ومن ثم نصير إلى ملتهم تركا لهذا الحرج !! أرأيت منطق المعتدلين من ملتهم ؟!
الثانية : وما حاجتنا إليهم ، اتركيهم ، سيأتي اليوم الذي سيذهب الله غيظ قلوبنا منهم .
لم تتحمل أذناي أكثر من ذلك ، فتركت القاعة ولم أعد إليها إلا على موعد الفقرة المسرحية " أيام محن ومنح " والتي كنت مستمتعا بها حتى شغلتني عن همي ، ولكن مشكلتي أني عدت إلى نفس مكاني السابق ويا ليتني لم أعد ، فبمجرد أن انتهى العرض الشيق حتى سمعت من أمامي ومن خلفي تعليقات على العرض تكاد أن تكون محل اتفاق بين من لا يرجى لهم الوفاق ، تخيل أن أحدهم وصف العرض الوطني المؤثر بعديم القيمة وأنه لا يطعم خبزا ! وآخر وصف العدو المحتل السفاح بالبطل لا حبا فيه بل لمجازره مع الطرف الآخر ! وآخر قال أن الملة المعينة ستباد وستطهر الأرض منهم لتبقى صافية لنا !! وآخر ... "
= " يكفي يا حمد ، أظنك في حالة صدمة كما صدمت أنا من قبل ، وما أهمك هو ما أهمني تماما ، وأظن أني أعرف بقية ما قالوه فالمتطرفون ملة واحدة تختلف في الأسماء وتتفق في نبذ المخالف "
- لم أكن أعلم أن العداوة بينهم كبيرة إلى هذه الدرجة ! لماذا لا يحبون أطروحات الوحدة الوطنية وبينما هم يدعونها ويظهرونها للناس ؟ ألسنا شعبا واحدا في سفينة واحدة ؟
= مفهوم الوطنية الذي يطرح كحل لمعالجة الفتنة يستخدم استخداما خاطئا وفي غير محله ، فلا تستغرب أنهم لا يتقبلونه ، للأسف من يتصدى لهذه المشكلة يرى الحل بإلغاء ذاتهم من أجل الوطن ؟؟ غريب هذا المفهوم ما هو هذا الوطن الذي لا يحقق فيه الإنسان ذاته من أجل مشاكل غيره ؟
- هل تقصد أن طرح الوطنية لا يفيد يا فريدان ؟ أراك صرت مثلهم ..
= ليس هذا ما أعنيه يا حمدان فلها دورها في علاج أمراض أخرى وترسيخ معان جميلة في مجالات واسعة ، وإنما من السذاجة أن نستخدم الوطنية في علاج مرض هي لا تجدي معه نفعا ، ما هذا إلا كحال من يعالج الصداع من خلال قطرة العين !
- مع أن أمثلتك كعادتها خنفشارية ، ولكن المعلومة قد وصلت ، تريد أن يستخدم الدواء المناسب مع الداء المناسب ، وأظنك تراه في الدين ، هل هذا ما تصبوا إليه ؟
= نعم بالضبط ، أصبت المعنى .
- أعرف أن ديننا دين تسامح وتعايش سلمي أو قل هكذا أعرفه ، أما بعد الذي سمعته اليوم فأستغفر الله مما سأقوله ، ولكن بصراحة جميعهم ينتسبون إلى تيارات دينية ، فلست أدري بمن المشكلة ؟
= يا حمد تمسك بنظرتك الأولى ولا عليك بهم ، أتترك فكرة سامية وحقيقة غالية من أجل تطبيقيات خاطئة أو إساءات ممن يدعيها ؟ كل يدعي وصلا بليلى وهي منهم بريئة كبراءتك من فكرة الزواج على طويلة العمر .
- أعوذ بالله من أمثلتك الشريرة ، كلمني بجدية ما الحل برأيك ؟
= الكلام يطول وبصراحة إني جائع ، لنرجئ الحديث وهيا فلندرك العشاء ، يقولون أن أم علي في انتظاري ؟ إن انتهت فأنا أطالبك بتعويض معتبر .
- عيني عليك باردة ألك نفس في الطعام والتحلية بعد سماع هذه الهموم والقنابل الموقوتة ، اذهب لوحدك وأنا بنتظارك عند السيارة .
= لست أدع مشاكل غيري تفسد علي متعتي في حياتي ، على الأقل تناول بعض المرطبات .
خرج الصديقان من قاعة المسرح إلى قاعة العشاء ، فانطلق فريد مباشرة إلى الطعام بينما دخل حمد القاعة ببطء وأخذ ينظر فيمن حوله ويقول : " أما لهذه الكراهية من نهاية ؟ "

طريق

بعد أن ركبا في السيارة للعودة إلى المنزل ، دارت بينهما بعض الأحاديث الودية ، وتذكر حمد الذي كان يقود السيارة ذلك الكابوس المخيف الذي عاينه اليوم فعاد لمحاورة صاحبه :
- كفاك حديثا عن أم علي وفستقها الحلبي ، ولنرجع لموضوع حديثنا يا فيلسوف فريد .
= لست أحب تكرار الكلام ولكن لأجلك فقط سأعيده واعتبره كأجرة التوصيل .
- لم أكن أدرك أهميته وقتها حين تكلمت مع المدير ، فلا تبخل علي ولو بإيجاز .
= سلمك الله ، هذه الملل المتعادية لم تتطرف إلا بسبب اعتقاد قوي بمعتقدات ومفاهيم يظنون أنها من الدين ولأجلها يستميتون في الدفاع عنها ويمنعون عقولهم من سبرها وتحقيقها لأنها في نظرهم حقائق مقدسة لا تقبل النقاش ، ولن يفلح أحد في مناقشتها ومداواتها إلا إن استعمل مصدر هذه الحقائق المقدسة ضدهم ، والتجربة خير برهان .
- ألهذه الملل المتناحرة نقطة اتفاق بينها ؟ لا أظن ذلك .
= لا تقطع علي حبل أفكاري ، يا حمد إن موضوع علاج هذه المرض طويل ، ولو تعمق في فكر كل ملة على حدة بالبحث عن حل ديني تؤمن به لتطرفها فهذا جميل وأنجع ، ولكن لنعد إلى موضوع فكرتي وهي صالحة لجميع هذه الملل المتناحرة ، ألا ترى أنها جميعا تنتسب إلى نفس الدين ، فكر ما هو دستور هذا الدين الذي لا ينازع عليه أحد من المختلفين ؟
- إنه القرآن الكريم بكل تأكيد ، لا أظن أحدا منهم يخالف في ذلك .
= أحسنت ، ولهذا فإني اعتمد عليه في فكرتي كمرجع أساسي يذعن له المفترقون فهو يطرح أفكارا كثيرة عميقة تعالج كثيرا من أفكارهم المتطرفة ، فمنها :
أن القرآن الكريم يحارب وبشدة ادعاء الانفراد بمحبة وجنة الرحمن ، فمن تأمل في نصوصه وجده قد ذم من ادعى انفرادا بهما ، كما أنه قد ذم من جعل من آراء علماءه نصوصا مقدسة تحول بينه وبين القرآن - وما أزمة البعد عن فهم كلام رب البشر إلا ما حال بينه وبين نصوصه الطاهرة من آراء البشر - وفي القرآن أيضا أمر لجميع المختلفين أن يردوا جميع خلافاتهم إليه ، وأنت تراهم يدعون ذلك ولكنهم حقيقة لا يرجعون إلا لتلك الحواجز البشرية المتطرفة .
والقرآن الكريم يرشد إلى أن الخلاف سيبقى ولا بد ( ولا يزالون مختلفين ) وهم لا يتقبلون وجود أصغر خلاف فكري معهم فهم لا يرون في الوجود إلا هم ومنهم من يهدر دم مخالفه لأقل خلاف بينما القرآن الكريم يقولها علانية ( أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) ، بل ولا يأخذون بتوصياته لأجل التعايش السلمي ، فهو يحث على البر والقسط مع كل من ليس عدوا محاربا  فما بالك مع من هم من نفس الملة ، ألم تقرأ قول الحق ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) ؟ وكم أحب قوله تعالى ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ) فمنعنا من إهانة معتقدات الآخرين الموغلة في الانحراف في نظرنا  صيانة لمعتقدنا الذي نراه حقا من احتمال الإهانة " أصون نفسي عما يدنس نفسي " ثم قال ( كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبؤهم بما كانوا يعملون ) فكما أني أرى أن معتقدي هو الحق الذي لا لبس فيه فكذلك من خالفني ، وكما أني لا أرضى إهانة فكذلك هو ، وختام الآية الجميل يرشدنا إلى ترك الخلق إلى خالقهم فهو من سيحاسبهم لا نحن ، وليس فيما سبق أي دعوة للتمييع بل ليلتزم كل من المختلفين قول الرحيم ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) ... ومثل هذه الأدوية للتطرف كثيرة وحديثها ذو شجون .
- الله ، معان جميلة وآيات كأني أسمعها لأول مرة ، إذن باختصار فكل تصوراتهم الذهنية الخاطئة لا مجال لتغييرها إلا من خلال القرآن الكريم وبالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالحسنى كما تفضلت .
= نعم أصبت ، فأول العلاج تنبيههم إلى أن القرآن الذي يقدسونه يخالف أوهامهم التي ينسبونها إليه .
- ها قد وصلنا البيت يا فتى ، لا أنيس لك ولا ونيس كالعادة ، ما رأيك لو شاركتنا مع المجموعة الصعبة في ليلة الغد بالمقهى ؟ على الأقل نتسلى ونكمل هذا الحوار فلدي كثير من الإشكالات .
= اعذرني يا طويل ، ولعلي أكمل معك في فرصة أخرى ، أنسيت أن غدا ليلة شاي القمر ؟
- آه نسيت ذلك ، العزاب الكبار غريبوا الأطوار في هذه الأيام .
= هل تحسدني على مزاجي وحريتي أم أنك تعيب علي العزوبية ؟ على فكرة : كذلك كنتم من قبل .
- فمن الله علينا ووقانا .
= ارحل يا قصير .
ليلة

في مساء اليوم التالي وبعد غروب الشمس توجه فريد إلى مكانه المفضل على شاطئ البحر ، إنها ليلة الثالث عشر ، أولى ليالي اكتمال القمر ، كم يعشق فريد منظر البدر المنير وهو يشرق جهة البحر لينعكس نوره على سطح البحر مظهرا ألوانا جميلة ، أبيض مذهب وفضي مزرق ، كم عجز فريد عن وصف هذا اللون المتراقص بفعل حركة الأمواج الهادئة ، ويمتد هذا النور الفتان وكأنه بساط متلألئ فوق الماء يسير عليه مريد القمر .
تخطى فريد الحواجز والصخور حتى وصل إلى مكانه المفضل على صخرة بارزة ، وفي يده كوب شاي أعده بخلطة مزاجية من زعفران وهيل وورد ، فجلس في مكانه المفضل وأمامه المنظر الساحر وبيده شرابه الآسر ، وبدأ في خلوة مع نفسه وأفكاره ، ليس فريد من النوع الذي يعيش للمشاكل أو عليها بل للسعادة في حياته وأخراه ، ولكنه اليوم تراوده هموم مجتمعه وسوء تصرف من بيدهم الأمر مع السرطان الفكري الذي بدأ ينهش في وطنه ، بل ربما زادوا الطين بلة مع أن بيدهم سلاح القانون الذي هو وسيلة جبرية لتقويم ما لا يستقيم ، فعادت به ذاكرته إلى المرحلة المتوسطة وأيام الصبا المشاكسة وتذكر موقفا لا يزال له أثره في نفسه عندما تشاجر مع زميله في الفصل منصف بسبب استهزاء هو ابتدأه بمعتقدات منصف ، فقد كانا من فئتين مختلفتين ، فلم يفعل أستاذ المادة وقتها شيئا سوى التوبيخ للفصل كله ! فاستمر الشجار اللفظي لتعميم كل منهما الشتيمة على فئة الآخر وكبرت دائرة الصراع ، حتى دخل الأستاذ عادل السمح البشوش الفصل وأوقف الشجار وكان عادلا في تنفيذ عقوبته ، أخذ المسيء فقط واحدا بعد واحد خارج الفصل ليعاقب كل مسيء بما يناسبه ويتحرى المشكلة وأسبابها، كان العقاب بكل بساطة حوارا راقيا من المعلم مع تلاميذه المخطئين لا يزال حاضرا في ذهن فريد ، سأله الأستاذ في دوره : لماذا ابتدأت الشجار مع منصف ؟
= لأني سمعت أن فئته كثيرة الشتم والسب لنا .
- هل سمعت شيئا من زميلك منصف ؟ أجبني بكل صراحة .
= لا لم أعرف منه أي إساءة أبدا ، ولكنهم يقولون عن فئته ...
لحظة تخبرني أنه لم يسئ إليك أبدا ثم تحمله ذنب غيره ؟ يا فريد أعرفك تلميذا ذكيا ، ألم أشرح لكم في الحصة السابقة قوله تعالى ( ألا تزر وازرة وزر أخرى ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) ما ذنب منصف أن يعاقب بسبب جريمة غيره ؟ أليست العقوبة شخصية ؟ ثم أهكذا يكون أخذ الحق ؟ يا فريد قد أسأت في حق منصف ، ولكن عندي لك مفاجأة أتعلم ماذا كان جواب منصف عندما عرضت عليه أن أعاقبك أخذا لحقه ، بصراحة لقد أدهشني ، قال لي : أستاذي منك تعلمت أنه لا حرج على الإنسان أن يطالب بحقه ولكنك أيضا علمتنا أن الله يقول ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) لذلك فقد عفوت عن فريد  .
بمجرد أن سمع فريد قرار منصف احتقر نفسه كثيرا وشعر وكأن منصفا في رتبة عالية بعيدة عنه ، ولم يستغرب فريد بعدها من المثل القائل " العفو أشد أنواع الانتقام " فقد ذاقه صغيرا وأدرك أنه علو في الإنسانية وليس سذاجة كما يظنه بعض من أفراد مجتمعه .
وبعد أن انتهى العقاب دخل الأستاذ الفصل وأمر المسيئين بالتصفيق لمن لم يتدخل في النزاع ففعلوا ، سأله أحد الطلبة المخطئين مستغربا ، نصفق لهم يا أستاذ وهم لم يفعلوا شيئا ؟
أجابه : بلى قد فعلوا ، أساء كل طرف من المتشاجرين إلى فئاتهم فتحملوا الإهانة في سبيل عدم ازدياد المعركة نارا ، لقد كانوا حكماء أكثر من الذين انجرفوا في نزاع بين شخصين .
تذكر فريد هذه اللحظات وكأنها حاضرة أمامه بالصوت والصورة وكم تمنى لو أن الكبار يتعلمون من دروس الصغار .....
موعد

ارتفع القمر كثيرا حتى خف نوره المنعكس على سطح البحر وشعر فريد بالجوع بعد جلسته التأملية المعتادة ، فقرر العودة مبكرا على غير عادته ، وبينما هو يتنقل بين الصخور عائدا إذا برجله اليسرى فجأة تنزلق لتجرحها حديد صدأة رطبة من ماء البحر بجرح غائر ، رمى فريد كوبه من شدة الألم وصرخ بطريقة لم يعهدها من قبل فهذا جرح حارق حاد عميق ، وصل إلى سيارته بجهد بالغ وتوجه إلى أقرب مركز طبي ، وجد المركز هادئا فقد كان وقت المناوبة الليلية ، كانت الممرضة تتمشى خارج غرفتها نظرا لقلة الحالات الليلية وبمجرد أن شاهدت فريدا شهقت وقالت : " ما الذي حدث لك ، أيها العامل ، أيها العامل ، أحضر كرسيا متحركا بسرعة " .. لم تجد أي أحد حولها لها فأمرت فريدا بالجلوس وأحضرت له كرسيا متحركا بنفسها وساعدته على اعتلاءه وذهبت إلى غرفة التمريض ، سألته الممرضة في الممر عن حالة جرحه وهل وصل إلى العظم أم لا ، ودخلا إلى الغرفة فإذا الطبيب يصحو من غفوته من على المكتب منتبها للحالة الحرجة أمامه فقام فورا والممرضة تعاونه بتنظيف الجرح وتعقيمه وتضميده وعمل ما يلزم له وقال له الطبيب بعدها : " سلامات يا سيد ... "
= فريد يا دكتور .
- سلامات يا سيد فريد ولا باس عليك ، الحمدلله جرحك ليس خطرا ولكن حبذا لو أتيت غدا للاطمئنان عليه واذهب إلى صيدلية المركز فقد كتبت لك مطهرا يساعد في التئام جرحك .
أتت الممرضة بالكرسي المتحرك وقالت لفريد : " يبدو أنه لا أثر لوجود أي عامل دعني أساعدك يا سيد فريد " لم يرفض فريد هذا العرض رغم أنه معتاد على رفض كل إحسان أو معروف من قبل الآخرين ولكن وبعد أن خفت حرقة الجرح شعر بارتياح نحو الممرضة ، وأخذ يتساءل أثناء الحركة في ممرات المركز والممرضة تدفع كرسيه : " يا إلهي ، ما الذي اعتراني ؟ أنا أشعر بشيء غريب مع هذه الممرضة ، من طريقة ارتداءها لثيابها يبدو أنها من الفئة الأخرى ، لحظة ما الذي أفكر به  وهذه الهلوسات التي اعترتني " توقفا عند شباك الصيدلية وطلبت الممرضة من الموظفة المختصة إحضار اللازم ، وأخذ فريد يتأمل هذا الوجه اللطيف الذي أحسن إليه وتنبه إلى موقفها الشهم حينما أقبلت على مساعدته بإنسانية قل مثلها ، استلمت الممرضة المطهر وأوصلت فريدا إلى باب المركز وأصر فريد على عدم إتعابها وتكليفها مزيدا من الجهد ، تحمدت له بالسلامة فشكرها فريد شكر منهك وغادر إلى سيارته متجها إلى البيت لينال بعض الراحة وطوال هذه الفترة كان في حديث مع نفسه :
" يا لهذه الإنسانة الرائعة كيف تعاملت معي بواجب إنساني انحسر كثيرا اليوم بحجة عدم الاختصاص ، ولكن لماذا أعطتني مزيد عناية ؟ هل هي تربيتها أم ردة فعل غير مسؤولة أم الواجب الإنساني أم ... لا لا لا ، ما الذي أفكر به ؟ هذا مستحيل ، هل يعقل أن تكون حبا ؟ تعوذ بالله من الشيطان يا فريد فالمرأة لم تفعل إلا واجبها ، لكن لم لا يكون حبا من النظرة الأولى ؟ ما هذه الهرطقات المراهقة التي تفرض نفسها علي ... "
بعد عدة صراعات ذهنية مع نفسه قرر فريد أن ما وقع به إما حب سيطر عليه أو إعجاب حتى استرسل تفكيره الأعزب إلى فكرة الزواج : " هل أتزوج أنا بعد عشرة العمر مع الحرية ؟ وممن ؟ من امرأة ليست من فئتي والغريب أني أنظر إليها هكذا وأنا المحارب للطائفية ؟ اللهم اكفني شر شماتة حمد ، ولكن أليست من ضمن المواضيع التي أطرحها لعلاج الطائفية هي مسألة إباحته سبحانه وتعالى للزواج من الكتابية ، فمتطرفوا اليوم يحرمون تزويج مخالفيهم الذي هم من نفس دينهم ولا يلتفتون إلى هذا المعنى العميق ، وليت شعري لماذا لا يفكرون في موضوع إباحته سبحانه وتعالى الزواج من اليهودية العفيفة وتحريمه الزواج من المسلمة غير العفيفة ؟ إنه لم يلتفت إلى العقائد بل إلى أمر آخر ، تمهل يا فريد فأنت أيضا تشبههم فأنت توقفت في أمر الممرضة لكونها من فئة تحمل عقائد مخالفة لعقائدك ، هل نسيت يا فريد أن الذات الإنسانية ليست مجرد معتقدات فأين هي الجوانب الأخرى ، وربما ما أوقعك بالاعجاب بها إلا جوانب أخرى غير المعتقدات كالأخلاق والإنسانية و .. والجمال ، ولماذا تركت كل المعتقدات التي توافقك فيها وركزت على الخلاف ؟ "
أخذ فريد يستعيد مشهد مساعدة الممرضة له ثم تابع حديثه النفسي : " بصراحة قد أمانع من ناحية العقائد ليس لناحية شخصية ولكن لما يفرضه هذا المجتمع ، هل سيوافق أهلي على مثل هذه الزيجة ؟ ولكن ألسنا مجتمعا يدعي التمسك بتعاليم دينه ؟ آه ما هذا الشعور ؟ هل أختار الحب وفسحة الدين أم الاستسلام للمجتمع ؟ هل أقدم نفسي أم الآخرين ؟ "
مضى عليه الليل وهو في حوار ذهني قد يصنع قرارا مصيريا حتى نام بأعجوبة .

أمل
فريد : السلام عليكم .
الموظف : وعليكم السلام .
= أريد منك خدمة ، هلا أخبرتني باسم الممرضة التي كان لديها نوبة في ليلة البارحة فقد نسيت عندي شيئا لها "
- بكل سرور ، انتظر من فضلك ... اسمها فرح عبدالله السوسني .
= شكرا لك أيها الفاضل .
خرج ينظر إلى السماء الغائمة وعلى وجهه المبتسم مسحة من أمل ورجاء .


الـنـهـايـة

الجمعة، 4 مايو 2012

هرطقات ليلية ... لا تقرأها







أريد أن أكتب شيئا ... ما هو ؟ لست أدري ، لماذا علي أن أنتظر ردة الفعل أو ذلك الإلهام ؟! أليس متاحا أن يكون طوع نفسي وتحت يدي متى ما شئت طوعته واستبقت الحدث  ؟ أم حينها سيكون بلا معنى ؟ ربما لهذا السبب ينتظر الشعراء الحوادث ليعلقوا عليها إبداعاتهم فحينها يصادف العالم الخارجي هوى داخليا ورغبة إلهامية مجنونة تريد أن تعلن عن ثورتها ، ولكن رب إبداع سبق زمانه وعصره ، ومرحلة استباق الأحداث وعدم التصرف وفقا لردة الأفعال أليست دليلا على التقدم ؟ لماذا لا يكون هذا في الأعمال الأدبية أيضا ؟ ولكن هل يتصور أن تكون المرثية التي تسبق من ترثيه أن تكون صادقة ؟؟


هرطقة ...


يأوي إلى فراشه وباله مشغول في أحداث العباسية ويفكر كيف ينهي الأزمة البحرينية ، ينهض مبكرا باحثا عن أخبار الانتخابات الفرنسية والأمريكية ، ويدخل إلى مقر عمله و المجالس فلا يناقش سوى تخلف الجماعات والأحزاب والقوميات ومن ثم يصرخ غاضبا على أحد من حوله لأنه مجد من لم يحب ، يعود إلى البيت فيركز على الأخبار التي يسمعها صبحا ونهارا وربما قليلا من الترفيه بالغلط ، ومن ثم يستغرب سلبيته التي أغرق نفسه بها وهو لا يدري ، لحظة ... أين هي حياته أصلا وتحقيقه لذاته ؟؟




هرطقة ...


من أكثر المطالبين بالإصلاح وأكثرهم ادعاء له ، طيب أين إصلاحاتك ؟ أخرج لك نقدا هداما وضيعا عليه قليل من الفلفل مفتخرا : النقد أولى مراحل البناء !! 
فضيلته ينتقد سوء تربية الناس لأبنائهم واشتغل بهذا الانتقاد عن تربية أبنائه ...


هرطقة ...


الأجندة نملؤها كل سنة بما نحلم ونتمنى فإذا اشترينا واحدة أخرى جديدة ربما كررنا أحلامنا وربما أسقطنا أحلامنا القديمة إما لأنها صارت واقعا أو لأن اليأس والنسيان نقلها من أرشيف الأحلام إلى سلة المستحيلات ...




هرطقة ...


دائما سيتغير ... لكن متى سيحاول أن يبدا أصلا ؟؟ إنه لا يزال يرفض أن يغير من عدم تغييره !! ولكن لحظة إنه بنفسه يستثقل التغيير فلماذا يصر على تغيير الآخرين وهو قد عاين بنفسه صعوبة تغييره لنفسه ؟


الكل يدرك أنه حين تقوم بلبس الساعة في اليد التي لا تلبس فيها الساعة أصلا أنك ستعاني شعورا مزعجا تود لو أن ترتاح منه فورا .. فما البال مع الآخرين نرغمهم بقسوة على تغيير أحداث الساعة واليوم والأسبوع والشهر والسنة بل القرون !!!


هرطقة ...




أحاول أن أنام باكرا ... ولكن إن فعلت فسأستيقظ باكرا قبل الفجر بثلاث ساعات فإن أتى الفجر عاد شعور النوم بقوة ، شرعنوا السهر للقضاء على هذه الظاهرة الحلمنتيشية !!




هرطقة 


يقولون أن الإنسان يحب العناد بفطرته  ، قلت لأجرب ذلك من خلال هذا العنوان الناهي والنفس بطبيعتها تعشق إتيان النواهي ، فما الهرطقة إلا واحدة ...




ما علاقة الهرطقة بما سبق ؟؟ تصبحون على خير 


انتوا فاهمين حاجة ؟


المكتوب واضح


لا تقرأها :)


شكرا للجميع على أية حال 


أحلام سعيدة سواء كنتم في الليل أو النهار 

الجمعة، 9 مارس 2012

ترجمة رواية خمس الملك 2

لقد كانت أجراس الساعة الثامنة صباحا في أوائل شهر يونيو عندما دخلنا بحر كورتيز . في جهة مقدمة السفينة كانت جزيرة كاليفورنيا ، وعلى الشرق يقع ساحل أسبانيا الجديدة .

جلست في مقصورتي أرسم بالحبر جزيرة واسعة رأيتها فجرا ، حيث أنها لم تظهر في الخريطة الرئيسية .
كانت حرارة الجو خانقة ، لذلك فقد تركت الباب مفتوحا ، و فجأة أغلق الباب ، و التفت لأرى وجه القائد مندوزا .

ألقى نظرة على الخريطة المنشورة على الطاولة فسألني ( هل هذه خريطة الأدميرال أولوا ؟ )

أجبته ( إنها نسخة ، صنعتها بينما نحن نبحر شمالا ) .

( نسخة حقيقية ؟ ).

( نعم سيدي حقيقة ).

مال فوق كتفي ( أين نحن في هذه الساعة ؟ يا سيد رسام الخرائط ) .

وضعت إصبعي على الخريطة ( لقد كان هذا موقعنا يوم أمس وقت الغروب ، يجب أن نكون قد قطعنا على الأقل اثني عشر فرسخا منذ ذلك الوقت ) .

حدق مندوزا أسفل المدينة التي تقع شرقا و حدق في شمال النقطة التي استقر إصبعي عليها ، لقد كانت فضاء واسعا غير محكم التخطيط ، لا تظهر عليها أية علامة ، لا أنهار ، و لا سلسلة جبال ، لا قرى ، لا مدن ... فقط الكلمة الوحيدة ( مجهول ) .

استدار و مضى باتجاه الباب ، اعتقدت أنه مغادر ، أو أنه علم ما يود معرفته ، و لكنه توقف هناك لبرهة ، و بدأ يحدق في الخارج في البحر الهادئ ، و الأمواج البيضاء ، و التلال المائلة نحو الشرق ، بعدها أغلق الباب و مال باتجاهي ينظر إلي قائلا ( أنت تعمل بجهد ، إن فانوسك يضيء حتى وقت متأخر ، حتى أنني نادرا ما ألقاك ) .

أجبته ( يوجد الكثير من العمل ).

( قليل من نور الشمس سيساعدك ، وعليك ببضع ساعات على ظهر السفينة ، فأنت تبدو شاحبا ، صبي في مثل عمرك يجب أن يتحرك في كل مكان ، لا أن يجلس في غرفته يوما كاملا و نصف الليل ، كم عمرك ؟ سبعة عشر ؟ ثمانية عشر ؟ ).

( بل خمسة عشر، سيدي ).

( لقد افترضت أنك من سالامانكا ، بلدة الطلبة ، حيث يبدو كل شخص هناك شاحبا ، و الحمرة تحيط عيونهم من كثرة القراءة ، و أصابعهم ملطخة بالحبر ).

( لا أنا من رندة ).

( حقا ؟ هذا صعب التصديق ، فهؤلاء الذين من رندة أشخاص مغامرون ، أقوياء بالسيف ، و فرسان مهرة ، عديمو الراحة ، و مستعدون لأي شيء دائما ) .

نظرت أسفلا إلى الخريطة و الجزيرة التي لم أنتهي منها بعد .

أشار بيده إلى المكان الفارغ قائلا ( أولوا لم يظهر شيئا لكل هذا ؟ ) .

أجبته ( لا شيء ، لقد سار بمحاذاة الشاطئ مسافة الشمال كمسافة نهر الهداية الصالحة الذي اكتشفه ، لكنه لم يجرؤ على اكتشاف ما هو أبعد من الساحل )

( ماذا عن ماركوس دي نيزا و ستيفن الموري ، الشخص الذي رأى مدن الذهب السبعة ؟)

( الموري قتل في هاويكوه و تقع عظامه هناك ، و الأب ماركوس في اكتشافاته لم يكن يصنع الخرائط ، لم يترك أي واحد منهما سجلا لسيبولا ، أو طريقة لكيفية الوصول إليها ) .

( إذن فالخريطة ليست ذات قيمة لهؤلاء الذين قد يحاولون أن يرحلوا إليها ؟ )

( أبدا سيدي )

( إذا تركت السفينة و انطلقت نحو الشرق هل سوف تكون الخريطة غير مساعدة ؟ )

( لا ، سيدي )

قال مندوزا ( هيا انطلق إلى عملك ، فالخريطة مهمة ، بدون الخرائط ما الذي يمكنه لنا نحن المستكشفين أن نفعله ؟ و لكن أخبرني يا سيد رسام الخرائط ، عن هذه البلاد المعلمة بـ ( مجهول ) ألا تشوقك لمعرفة ما الذي يقع هناك ؟ كمدن الذهب اللامعة أو الكنوز البراقة ؟ )

هززت رأسي موافقا .

( و لكنك لن ترى هذه البلاد التي هي أكبر من إسبانيا بأكملها و لن تكون قادرا على أن ترسمها في خريطة ، إن بقيت جالسا في مقصورة سفينة سان بيدرو )

( لكنني رسمت الشواطئ و الجزر التي اجتزناها )

( هذه الخريطة قد رسمت من قبل بواسطة الأدميرال أولوا )

( لقد صححت خريطته )

( إذن أنت لست صانع خرائط ، أنت شخص تقوم بتصحيح الخرائط ، ناسخ )

قلت ( إننا نبحر شمالا ، و ربما إلى بحار لم ترسم في خريطة من قبل )

( أنت فقط ستبحر حتى اللحظة التي تشاهد فيها جيش كورونادو ، و كما تعلم فإن السفن الثلاث لهذا الأسطول زودت بالمؤن من أجل هذا الجيش ، و تعلم أيضا أن كورونادو سيبحر باتجاه الشمال على امتداد الساحل ، على خط مواز لخط سيرنا الذي اتبعناه في البحر ، في ذلك الوقت هو يأمل أن يدركه الأدميرال ألارجون ، و بعد ذلك هذه السفن سوف ترسو في الميناء و ستفرغ حمولة المؤن و ستعطى لكورونادو ، أنت تعرف الخطة ، و لكن الذي لا تعرفه هو التالي ، إن تم الانتهاء من تسليم المؤن هنا فالسفن و أنت معهم ستبحرون للجنوب لا شمالا ، ستعودون إلى كوليكان ، و ليس إلى البحار التي لم ترسم التي تحدثت عنها )

قلت ( ربما لدى ألارجون خطط أخرى ، فقد يستكشف جزيرة كاليفورنيا و مياهها )

( لا يا سيد ، إنه تحت أوامر بأن يرجع إلى كوليكان )

لم أستطع أن أنكر عليه في هذا ، هنا بقيت صامتا و لكنني بدأت أحتار، احترت من كل شيء قاله لي ، ما الذي يجعل بلاز دي مندوزا القائد في جيش كورونادو و الذي لم يكن يتكلم أكثر من بضعة كلمات معي في أثناء الرحلة البحرية يقف في مقصورتي و يكلمني كما لو كنت أمين سر ؟

قال ( هناك شيء أيضا أنت لا تعرفه و لكن يجب أن تعلمه ، ألارجون و كورونادو لن يجتمعا أبدا ، لأن خطة اجتماعهما غير صحيحة ، لقد كانت خاطئة منذ البداية ، يمكنك ملاحظة هذا بنفسك ، ففي مرات عديدة ، من أجل تجنب الشعاب الصخرية و المياه الضحلة كان على السفن أن تبحر بعيدا عن الشاطئ ، صحيح ؟ )

( نعم سيدي )

( و هل هذا أيضا صحيح أنه بسبب الجبال و المستنقعات أجبر كورونادو على أن يزحف إلى داخل القارة ، بعيدا عن رؤية البحر ؟ )

( نعم سيدي )

( هل من الممكن أنه بينما واحد من هؤلاء يأخذ طريقه في مكانه ، أو كلاهما في نفس الوقت ، كورونادو يزحف داخل القارة ، و السفن تبتعد في البحر ، بأن يتجاوز هذان الاثنان أحدهما من غير مشاهدته ؟ )

( نعم سيدي )

( إنه ليس ممكنا فقد بل هذا الذي قد حصل فعلا ، ففي بعض الأوقات خلال الأسبوع الماضي كنا نسير مسافات زائدة و نتجاوز كورونادو ، إنه خلفنا و بالرغم من ذلك فإن ألارجون يستمر في الإبحار ، إنه يبحر إلى غير جهة )

تغير صوت مندوزا مشمئزا ( كان من الممكن أن يكون الأمر بسيطا لو أن الرجلين من البداية اتفقا على مكان للالتقاء ، لو قال ألارجون (( سأبحر لمدة خمسة أيام ثم أرسو )) ، أو لو قال كورونادو (( ليكن إبحارك في كل يوم بمقدار ما يصل إليه جيشي في اثني عشر ساعة ، كن متأكدا من انتظارك لنا )) )

كان مندوزا رجلا طويلا يكبرني بعشر سنوات أو أكثر ، عيناه كانت مظلمتين وعميقتين في وجه لونه كلون جلد قرطبي ، حيث جميع عظام الفك و الخدين و الحاجبين بارزة بوضوح ، كما لو أنه سهر ليلا طويلا ، ثيابه كانت واسعة و مزخرفة ، لقد كانت مزينة بالأناقة و بشريط مرتب مضاعف في الأسفل ، سراويله كان ملونا و قصيرا يغطي الركبتين ، حذاؤه كان لامعا و مرن الجسم و قويا كأجود الحديد .

ألقى علي نظرة فاحصة ، ( هل أنت تقر ألارجون بأن يبحر عائدا و يخرج للبحث عن الجيش المفقود ؟ )

( لا ، سيدي )

( و لا أنا ، بالرغم من هذا فهذا هو قدرنا مهما فعلنا )

استدار مندوزا و أخذ ينصت باتجاه الباب للحظة ، ( غدا سأذهب نجو الشاطئ ، يجب أن أسيطر على السفينة و أضع الأدميرال مقيدا بالسلاسل في السجن ، سأقوم بالبحث عن مدن الذهب السبعة لسيبولا ، في هذا البحث سأحتاج إلى رسام خرائط بارع ، شخص قادر على أن يأخذ العلم من الشمس و النجوم ، و بهذا سيوجه خطواتنا )

توقف و أخذ ينصت باتجاه الباب مرة أخرى ( هل تريد أن تنضم إلي في هذا البحث ؟ )

بقيت صامتا .

( أو أنك ترغب بالإبحار عائدا و تخرج في حوض خشبي ؟ )

قلت ( أنا عضو في طاقم الأدميرال ألارجون )

تظاهر مندوزا بعدم سماعي ، قال ( ألا ترغب برؤية مدن سيبولا السبعة ؟ ألا تريد نصيبا من الكنز الذي سنجده هناك ؟ الذهب و الفضة و الفيروز ، بكل تأكيد لقد سمعت عن أساطير الأغنياء ، أم أنك تفضل أن تبقى محبوسا في مقصورة بقية شبابك بينما الآخرون ينمو ثراؤهم مثل دوكي الثري  ؟ )

قلت معاندا ( أنا عضو في طاقم الملاحين )

( قريبا لن يكون هناك طاقم )

فتح الباب و أخذ يحدق في مقدمة و مؤخرة سطح السفينة ، عاد ينظر إلي ( ما قلته أنا لا يعاد ، و لكن أعط نفسك فرصة للتفكير )

بهذا ذهب إلى السطح ، و أنا قلق جدا حول إكمالي الخريطة التي كنت أرسمها .



# #

هامش 
 جزيرة كاليفورنيا :
من المعروف كاليفورنيا ليست جزيرة بل شبهة جزيرة ، فلماذا ذكرت في الرواية على أنها جزيرة ؟؟
هذا بسبب أكثر الأخطاء شهرة في التاريخ ، فقديما شاع أنها جزيرة و ترسم على أنها جزيرة ، لكنها لم تكن أبدا جزيرة بل شبه جزيرة ...


راجع ويكبيديا
http://en.wikipedia.org/wiki/Baja_California_%28peninsula%29

ترجمة رواية " خمس الملك " 1


The King's Fifth


تذكرت الصبا واشتقت لما رأيت أفونها غصنا حدينا :)

قبل سنين كان مولعا بالروايات أشد الولع - ولا يزال الحنين موجودا - وخاصة تلك التي تأسر خيالك وتأخذك معها بعيدا عن واقعك بعض الشيء ولكن النفوس والطباع تتغير فلم يكن يتصور يوما أنه سيهتم بمثل نوعيات الإخوة كرامازوف والحرب والسلام وغيرها حيث بدأت تلك الروايات ذات المعاني الفلسفية تتسلسل تدريجيا رغم أنه لم يكن مرحبا بها في يوم من أيام :)
 

 وهذه الرواية كان من المفترض إكمال ترجمتها إلى العربية من باب الاستمتاع أولا ثم الدربة على اللغة من خلال الترجمة ولكن لم يتيسر إكمال المهمة ، ربما يأتي يوم وتتم كاملة وهنا يرفق ما نشر منها على علاته وركاكة بعض جمله لأنه ما بقي أما ما لم ينشر فقد اختفى ، للأسف .


الأعمار الملائمة 13 - 18
التصنيف : مغامرات ، خيال تاريخي 



رواية خمس الملك

تأليف : سكوت أوديل


سكوت اوديل
أديب أمريكي ( 1898م - 1989م ) له أكثر من عشرين رواية ، من أشهرها رواية جزيرة الدلافين الزرقاء (1960م)
و التي ترجمت إلى لغات عدة من بينها العربية و صدر منها فيلم في عام (1964م) كما انه في عام (1982م) صنع من روايته خمس الملك ( الرواية المترجمة حاليا ) مسلسل كرتوني عرف بالدبلجة العربية بمسلسل الأحلام الذهبية .
حازت رواياته على جوائز عديدة ، اشتهر بالاهتمام بالخيال التاريخي في المقام الأول .
مات عن عمر يناهز 91 سنة 
 

موقع المؤلف

ترجمة :
محمد جاسم الفودري

= = = = = = = =

For
Luce

= = = = = = = =

قلعة سان جوان دي أولا
فيرا كروز ، في أسبانيا الجديدة
اليوم الثالث و العشرون من سبتمبر
لعام 1541 من ميلاد المسيح عليه السلام


كما أنها ليلة مظلمة في البحر ، فهي بداية الظلام بالنسبة لزنزانتي .قد ذهب السجان تاركا لي ستة شموع ضخمة و وعاء من الحمص الذي يسبح في زيت أصفر .

يا لي من رجل محظوظ ، على الأقل هذا ما قاله السجان قبل أن يغلق الباب الحديدي و يتركني وحيدا .



توقف عند المدخل قائلا في نفسه ( حمص و شرائح من لحم الغنم و أفضل زيت من أوبدا ! هل جاء وقت سمع فيه شخص ما بمثل هذا الطعام الممتع في هذا السجن العظيم ؟ و لا تنس الشموع التي سرقت من كنيسة صغيرة ، التي قد أرمى في السجن بسببها ، و ربما أسوء من ذلك )

تمهل قليلا ليخرج أصبعا طويلا من حنجرته ( تذكر هذا الإحسان ) قالها يخاطبني ( عندما ترجع إلى أرض المدن السبعة . دائما تذكرها لأنك إن اعتمدت على الصدفة لن ترجع أبدا ، تذكر يا إستبان دي ساندوفال أنني خاطرت بحياتي نيابة عنك ) مال باتجاهي و قد ملأ ظله الزنزانة ، ( لدي بعض السنتات ) أجبته ( لأدفعها مقابل شفقتك )

( شفقة ! ) طحن الكلمة بأسنانه ، في أثناء حياته يجب أن يكون قد فقد الكثير من الكلمات بسبب أسنانه التي اقترب فناؤها . ( أنا لا أخاطر برقبتي من أجل الشفقة ، إن هذا من ترف الأغنياء ، ولا في مقابل بضعة عملات أيضا ، لنكن صريحين حول هذه المشكلة )

أغلق الباب الحديدي و أخذ خطوة طويلة باتجاهي قائلا : ( لقد رأيت الاتهام المقدم ضدك من قبل المحكمة الإسبانية العليا ، علاوة على ذلك فإني أعتقد أنك مذنب بسبب هذا الاتهام ، و لكني لا أهتم أمذنب أنت أم لا ؟ أنا أسألك حصة من الذهب الذي أخفيته في سيبولا ، الملك يطالب بخمسه و أنا أطالب بالخمس كذلك ، لأنني عملت أكثر منه و عرضت نفسي لخطر رهيب ) لقد أعادتني كلماته للماضي ، ( إن ثبت أني مذنب حقا ) قلتها متهربا ( فإذا يجب ألا أرجع إلى سيبولا )

( ليس من الضروري أن ترجع ، فأنت رسام خرائط بارع كما يقال ، و أنت هنا سوف ترسم لي خريطة موثقة بكل تفاصيلها ، بحيث يمكنني من خلالها أن أجد طريقي إلى المخبأ السري ) بدأ صوته ينخفض لدرجة الهمس ( أخبرني ، كم يبلغ الذهب المخبأ هناك ؟ هل هو كاف ليملأ سفينة اسبانية ضخمة ؟ ) ( لا أدري ) أجبته صادقا و في نفس الوقت غير صادق .

( كفى ، هل يملأ سفينة اسبانية صغيرة ؟ ) بقيت صامتا .



 وفجأة طعنني بإصبعين كالأفعى و قرص ذراعي ( أعتقد أنك قد سمعت باسم كونتين دي كاردوزا ) خاطبني السجان ( سيد مثالي في جميع الأمور ، و بريء كطفل رضيع ، و بالرغم من ذلك فقد قضى أربع سنوات في سان جوان دي ألا في هذه الزنزانة المتهالكة ، و قد مات فيها قبل أن تأتي محاكمته إلى نهايتها ، و أنت كذلك قد تمكث هنا أربع سنوات بل خمس بل ربما أكثر من ذلك ، إن محاكمات المحكمة الإسبانية العليا تستهلك زمنا ، شبيهة بزمن استهلاك قطرات الماء للحجارة ، هذه المحاكمات تتكون من جزأين متساويين : الجزء الأول منها يتداول في القاعات التي هي في الأعلى ، قبل المقاضاة ، و الجزء الآخر يتداول هنا في الأسفل تحت مراقبة عيني )

شد قبضته بإحكام على ذراعي و قرب وجهه قريبا مني لدرجة أنني أستطيع أن أرى شعرات صغيرة على ذقنه ( تذكر أيها السيد بأن ما فعلته لك ليس مقابل العون في مارافيدس ولا من أجل المال و لا من أجل الشفقة ، فعلت ذلك فقط من أجل خريطة تخط بكل صبر و مهارة ، و التي سوف ترسمها أنت من أجلي )

( إنها جريمة ) أجبته و مازلت متهربا ( أن أرسم خريطة بلا إذن من مجلس الإنديز ) أفلت قبضته عن ذراعي قائلا ( المجلس !! إنه يقيم في إسبانيا و يبعد عنا آلاف الفراسخ )

( إذن و كذلك الملك الذي يتهمني بالسرقة ) أجبته بوقاحة .( صحيح ، و لكن لا تنسى أن خادم الملك المخلص دون فليب دي سوتو يي ريوس لا يقيم في إسبانيا ، إنه يقف هنا أمامك ، رجل بعين واحدة لن يستطيع النوم )

تراجع دون فيليب خطوة إلى الوراء و عدل أكتافه ، إنه شخص طويل القامة رفيع ، نحيف الجبهة و الفك ، يشبه الهراوة ، لم يقل أي شيء زيادة . و برقة ، بكل رقة ، أغلق الباب و زحلق لسان القفل الحديدي . و أصبح صوت خطواته يختفي بعيدا داخل أعماق القلعة . دون فليب دي سوتو يي ريوس ، هذا الاسم يثير ذاكرتي ، أهو ذاك الشخص الذي سار قبل سنين مضت مع جوزمان الدموي ، الذي قام بذبح المئات من الترازكانيين ، و قام بجر ملكهم عبر شوارع المدينة مربوطا بذيل حصان ؟!لا يمكنني أن أقول ذلك جازما ، فهي ليست مشكلة ، فهو أيضا ذاك الشخص الذي فعل الكثير من أجلي أثناء أيامي الستة في سان جوان دي ألا .

زنزانتي هي الأوسع في السجن ، ثلاث خطوات واسعة في اتجاه واحد وأربع خطوات في الأخرى ، لقد أعطاني المنضدة التي أكتب عليها ، و الشموع و الأوراق و وعاء حبر و ريشتين حادتين .أنا أعلم الآن لم أعطاني هذه الأشياء ، و لا زلت محتفظا بها ، و في مقابل ذلك لابد أن أرسم له خريطة لسيبولا ، مميزة بدقة في علاماتها للصحاري و الجبال ، و أضع تحتها الأنهار ، و كذلك ورود الرياح و الأبراج الليلية ، كل هذا من أجل الكنز الذي يشتهيه ، يا ترى من الذي يعلم أين يقع الكنز ؟

حتى أنا الذي أخفي سره ، هل أستطيع أن أعرف ؟! هل أستطيع أن أجده مرة أخرى ؟ دون فليب ، أنا لن أتمكن من الرؤية حتى الفجر ، و لكني أستطيع أن أقدم أفكاري للمحاكمة التي ستبدأ خلال يومين ، و من المثير للعجب يكفي أنها ستكون في يوم ميلادي السابع عشر . سوف أدون كل شيء كما أتذكره ، و سأكتب بكل عناية من البداية ، في كل ليلة بينما المحاكمة تستمر .



نعم ، سأدون كل شيء كما أتذكره تماما ، أنا صانع خرائط و لست كاتبا ، و بالرغم من ذلك سوف أبذل ما بوسعي ، و بهذه الوسيلة قد أجد الإجابة لكل ما يحيرني ، بإذن الله سأجد طريقي من خلال المتاهة التي تؤدي إلى عرين المينوتور ، هذا يجب أن يساعدني في المحاكمة التي أواجهها قبل المحكمة الإسبانية العليا ، لأنه إن لم أكن أعلم بوضوح ما الذي عملته أو لماذا وقعت الحادثة فكيف لي أن أسأل الآخرين بأن يعلموا ؟

أنا الآن مستعد للبداية ، الليل يمتد أمامي ، إنها ليلة هادئة في زنزانتي إلا ما يصدر من صوت قطرات الماء في مكان ما ، أو من صوت ارتطام الأمواج بجدران القلعة ، إنارة الشموع جيدة ، يقولون بأنه في الظلام تستطيع شمعة واحدة أن تشرق كالشمس .



و بعد هذا ، أين هي البداية ؟ ما هي الخطوة الأولى التي يجب أن آخذها داخل متاهة الميناتور ؟ هل يجب أن أبدأ من ذلك اليوم العاصف من إبريل ؟ في الصباح عندما هاجت النسور بعيدة في الظلام أسفل المنحدرات الجبارة في رندة ؟ عندما قلت لأبي وداعا مع بعض حاجياتي التي كانت تحت ذراعي متسلقا عربة السفر التي كانت تقلني إلى سيفيل ؟ و لكن هذا كان في سنتين من الماضي و الطفل الذي كنت باهت في ذاكرتي . حتى أنني نسيت صيحة أبي ناصحا بينما كانت العربة تهم بالخروج من الميدان المرصف بالحجارة ، أنا متأكد بأنها كانت نصيحة جيدة كما أنني متأكد أن الحقيقة هي أنني لم أنتبه لها .ربما يجب علي أن أبدأ من اليوم الذي حصلت فيه على إجازة في علم رسم الخرائط ، من وكالة بيت التجارة ، و من ضمنه ساعة الإبحار من سيفيل إلى العالم الجديد ، و لكن ذلك باهت في ذاكرتي أيضا ، اختفى تحت الأشياء المقدرة التي حصلت لي منذ تلك اللحظة ، كالإبحار إلى فيرا كروز في إسبانيا الجديدة ، و الرحلة الطويلة إلى جبل قلعة أنصار الملك الميت ، مونتيزوما .

هل يجب أن أبدأ بيوم و ظروف مقابلتي مع الأدميرال ألارجون ، حيث القسم الذي التزمته بأن أحمل ولاءه ، و عن الليلة التي أبحر فيها أسطولنا البحري شمالا من أكابولكو ؟و لكن ؟ ماذا عن زيا ؟ أليست هذه الكتابات تبدأ بحق من عندها ؟ الفتاة النياريتية صاحبة أجراس الفضة و الضحكة الفضية ، التي قادت تصرفات الكابتن مندوزا إلى داخل أرض سيبولا .

لا ، إني أرى الآن أن القصة تبدأ عندما أبحر الأدميرال ألارجون إلى بحر كورتيز ، إنها تبدأ في الصباح عندما فكر الكابتن مندوزا بالبداية بأن يحتجز سيطرة السفينة الإسبانية سان بيدرو . نعم ، هذا اليوم هو البداية .

من خلال تلك النافذة المغلقة الصغيرة ، أستطيع أن أرى نجمة ، والشموع تشع نورا جيدا . الآن أستطيع أن أكتب عن خطط الكابتن مندوزا لإثارة العصيان و ما الذي حصل لها و عن الحوادث التي قادتني إلى جيجيلتيكال ، راجيا من الله توفيق ذهني وهداية قلمي .