الثلاثاء، 20 يناير 2015

مصادر المقدرات الفقهية

ما يلي جزء من أطروحتي الماجستير أنشره تيسيرا للباحثين
لقراءة الرسالة كاملة من هنا

المبحث الثالث
مشروعية المقدرات الفقهية ومصادرها

تقدير المقدرات عموما له ثلاثة مصادر هي : الشرع واللغة والعرف ، جاء في الحاوي الكبير: " المقادير تؤخذ من أحد ثلاثة أوجه : من شرع أو لغة أو عرف "[1].
أما المقدرات الفقهية تحديدا فمصدرها الرئيسي هو الشرع ، فإذا أخذ المقدر الفقهي من إحدى أدلة الشرع كان هذا الدليل مثبتا لمشروعيته أيضا لاعتبار الشارع لدليله ، ولهذا تم ذكر أدلة مشروعية المقدرات الفقهية ومصادرها في مبحث واحد .
وأدلة الشرع هي القرآن الكريم والسنة النبوية وما يذكر من زيادة عليهما فهو متفرع عنهما كقول الصحابي والإجماع والقياس والعرف واللغة العربية وغيرها .

المطلب الأول : القرآن الكريم :

القرآن الكريم هو كلام الله تعالى المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته[2]، وهو  المصدرالأوثق للكثير من الأحكام ومن ضمنها المقدرات الفقهية وذلك لقطعية ثبوته والحفظ الإلهي له .

من أمثلة المقدرات الفقهية المذكورة في القرآن الكريم :

1- قوله سبحانه وتعالى : ( ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ   ﭘ  ﭙ    ﭚ )[3].
قال ابن كثير[4] في تفسير هذه الآية : "هذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن أن
يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال"[5]، وتضمنت هذه الآية التقدير بالزمن .
2- قوله سبحانه وتعالى : ( ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ   ﭙ      ﭚ  ﭛ )[6].
في هذه الآية إخبار أن نصيب الزوج في حالة وفاة زوجته عن غير ولد لها هو النصف[7]، وهذا من ضمن التقدير بالعدد .

3- قوله سبحانه وتعالى : (ﭛ  ﭜ  ﭝ  ﭞ       ﭟ    ﭠ  ﭡ    ﭢ )[8].
قال الطبري[9] في تفسير هذه الآية : " من زنى من الرجال أو زنت من النساء ... فاجلدوه ضربا مائة جلدة عقوبة لما صنع وأتى من معصية الله "[10]، وواضح أن الآية قدرت بالعدد .

المطلب الثاني : السنة النبوية :

تعرف السنة النبوية بأنها كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير[11]، وهي المصدر الثاني ومنبع كبير للمقدرات الفقهية وهي من دلائل مشروعيتها أيضا ، وكل ما سوى القرآن والسنة من الأدلة المثبتة للمقدرات فهو عائد إليهما كما سبق .

من أمثلة المقدرات الفقهية الواردة في السنة النبوية :

1- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة  "[12].
و في هذا الحديث تقدير بالكيل وهو الصاع و تقدير بالزمن لوقت إخراج زكاة الفطر[13].
2- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة و ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة و ليس فيما دون خمسة ذود من الإبل صدقة "[14].
وهذا الحديث اشتمل على التقدير بالكيل وهو الوسق والتقدير بالوزن وهو الأوقية والتقدير بالعدد وهو خمسة من الإبل[15].

3- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ويتوضأ بالمد "[16].
وجاء التقدير هنا بالصاع والمد وهما من ضمن المكاييل[17].

المطلب الثالث : الإجماع :

يعرف الإجماع بأنه " ما اتفق عليه المسلمون من الأحكام الثابتة في الكتاب والسنة "[18] ، ويعرفه البعض بأنه " اتفاق المجتهدين من أمة محمد عليه الصلاة والسلام في عصر على حكم شرعي "[19].
ويعتبر الإجماع مصدرا من مصادر المقدرات الفقهية ، ولكنه ليس مصدرا أساسيا لها وذلك لأن من شروط الإجماع أن يكون مستنده نصا من كتاب أو سنة ولا يمكنه أن ينعقد على خلافهما فهو في حقيقته عائد إلى الكتاب والسنة[20]، وأفضله هو ذلك المتواتر تواترا لا ينكر بين كافة المسلمين باختلاف طوائفهم كمواقيت الصلاة وعدد ركعاتها .
من أمثلة المقدرات الفقهية التي حكي فيها إجماع العلماء :

1- الإجماع على أن وقت الظهر هو زوال الشمس[21]، و هذا تقدير بالزمن .
2- الإجماع على أنه ليس فيما دون خمس أواق صدقة[22]، و هذا تقدير بالوزن .
3- الإجماع على أن الشعير والتمر لا يجزىء من كل واحد منهما أقل من صاع[23]، و هذا تقدير بالكيل .

المطلب الرابع : القياس :

يعرف القياس بأنه مساواة الفرع للأصل في علة حكمه[24]، وهو فرع عن الاجتهاد ، وبالنسبة لكونه مصدرا من مصادر المقدرات الفقهية ففي ذلك خلاف ، فمن نفى حجية القياس مطلقا فهو ينفي ذلك اقتضاء وليس الحديث عن حالة نفي حجية القياس إطلاقا ، وأما في حالة إثبات القياس فقد اختلف الأصوليون المثبتون للقياس في مسألة إثبات المقدرات الفقهية بالقياس على قولين :

القول الأول: أنه يجوز إثبات المقدرات بالقياس وهو قول جمهور الأصوليين ويحكى عن أبي يوسف[25] من الحنفية[26].
القول الثاني: أنه لا يجوز إثبات المقدرات بالقياس ، وهو قول الحنفية واستثنى بعضهم ما هو متردد بين منزلتين أعلى وأدنى كالأقل والأكثر والأصغر والأكبر ونحو ذلك ، فهذا مما يحتاج إلى الاجتهاد والقياس لضبطه[27].

سبب الخلاف في المسألة :
هو اختلافهم حول تعليل المقدرات فهل هي من ضمن الأحكام المعللة أم التعبدية ؟ ومن الغريب في هذا الخلاف أنه جاء على غير المتوقع فالشافعية أقرب إلى اعتبار معنى التعبد في الأحكام الشرعية والحنفية أقرب إلى اعتبار معنى التعليل في الأحكام الشرعية [28].

أدلة القول الأول :

1- عموم أدلة حجية القياس وهي تشمل القياس في المقدرات[29]، ومنها :
من القرآن الكريم :
- قوله تعالى : ( ﯡ  ﯢ  ﯣ   )[30].
قال البيضاوي[31] في تفسيره لهذه الآية : " واستدل به على أن القياس حجة من حيث أنه أمر بالمجاوزة من حال إلى حال وحملها عليها في حكم لما بينهما من المشاركة المقتضية له "[32].
ومن السنة النبوية :
- إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لإجابة معاذ رضي الله عنه  عندما سأله بم يقضي إن لم يجد المسألة في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه و سلم ؟ فأجابه : أجتهد رأيي و لا آلو[33].
قال الخطابي[34] شارحا قول معاذ رضي الله عنه : " أراد رد القضية إلى معنى الكتاب والسنة من طريق القياس وفي هذا إثبات للحكم بالقياس "[35].

ومن آثار الصحابة :
1- أن نبي الله صلى الله عليه وسلم جلد فى الخمر بالجريد والنعال ثم جلد أبو بكر أربعين. فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى قال :" ما ترون فى جلد الخمر "، فقال عبد الرحمن بن عوف :" أرى أن تجعلها كأخف الحدود ". قال : فجلد عمر ثمانين[36].
وجه الاستدلال :
قول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه " أن تجعلها كأخف الحدود " صريح بأن التقدير هنا ثبت بالاجتهاد و ضرب من القياس[37].

2- قياس علي بن أبي طالب رضي الله عنه شارب الخمر على القاذف ، فقد روي عنه أنه قال : " أراه ثمانين لأنه إذا شرب سكر وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون "[38].
وكان هذا في محضر الصحابة ولم يعارض فكان إجماعا منهم على صحة قياسه[39].
- اعترض عليه :
أنه لا يثبت عن علي رضي الله عنه[40]، وبالتالي فلا تصح دعوى الإجماع السكوتي بناء على هذه الحادثة .
- أجيب عن الاعتراض :
أن الخبر مروي من عدة مراسيل ومسندات من وجوه متعددة يقوي بعضها بعضا وشهرتها تغني عن إسنادها[41].
- نوقشت الإجابة عن الاعتراض :
على فرض صحة سند الحديث فقد نوقش متنه بأكثر من وجه ، منها :
- ليس كل من شرب الخمر يسكر فشارب الجرعة لا يسكر وهو يحد ، وليس كل شارب يهذي ولا كل من يهذي يفتري ولا كل من يفتري يلزمه الحد ، فقد يفتري المجنون والنائم فلا يحدان .
- ثم إن كان يجلد لفرية لم تصدر منه فهو ظلم بإجماع الأمة ولا خلاف في أنه لا يحل لأحد أن يعاقب أحدا بما لم يفعله لجواز أنه يفعله ... ثم إنه إن كان الحد للفرية فأين حد الخمر ؟! وإن كان حد الخمر فأين حد الفرية ؟! ولا يجوز ثبوت حد بإقامة آخر .
- ثم إنه أيضا إذا سكر هذى وإذا سكر سرق وزنى وقتل وأفسد في أموال الناس وأقر لغيره في ماله أفيلزم بهذه الأحكام ؟! هذا مما لا يقول به أحد وإن قيل  به في شيء دون شيء فهذا هو التحكم[42].
فهذه المناقشات لمتن الحديث مظهرة لعدم صحته .


ومن المعقول والقياس :
- أن المقدرات كالحدود والكفارات والأنصبة ونحوها يجوز إثباتها بخبر الواحد فيجوز إثباتها بالقياس أيضا ، فالقياس في معنى خبر الواحد لأن كلاهما يقتضي الظن ويجوز السهو والخطأ في كل واحد منهما[43]، وأكثر الحنفية يقولون بإثبات الحدود بخبر الواحد[44].
أدلة القول الثاني :
استدل أصحاب القول الثاني بأدلة من المعقول ، منها :
1- أن المقدرات - ومن ضمنها الحدود و الكفارات – من الأمور التي لا يمكن للعقل أن يدرك الحكمة من تقديرها بحد معين كالجلد في الزنا يكون مائة وفي القذف يكون ثمانين ، فلا يدرك حكمة تقديرها إلا الله فلا يجري فيها القياس لأن القياس فرع عن تعقل معنى حكم الأصل[45].
- اعترض عليه :
قال ابن قدامة[46] : " ولو ساغ ما ذكروه لساغ لنفاة القياس في الجملة ، ولأننا إنما نقيس إذا علمنا الأصل ويثبت ذلك عندنا بالقياس فيصير كالتوقيف فأما مالا نعلمه كأعداد الركعات ونحوه فلا يجري القياس عليه "[47].

2- أن المقدرات من ضمنها الحدود وهي مما يدرؤ بالشبهة فلا يصح إثباتها بالقياس لأنه يحتمل الخطأ ولكونه ظنيا فلا يفيد القطعية ، فهو شبهة فلا يصلح في إثبات ما يندرئ بالشبهة[48].

- اعترض عليه :
أن هذا يبطل بخبر الواحد – كما سبق في أدلة الجمهور و قد ذكر فيه أيضا أن أكثر الحنفية يقولون بإثبات الحدود بخبر الواحد – و شهادة الشهود فهي موضع شبهة و يجوز الخطأ فيها و مع ذلك يجوز إثبات الحدود بها[49].

تحرير النزاع :
بعد النظر في المسألة يتضح أن الفريقين متفقان على أمرين :
1- أنه لا قياس فيما لا يعقل معناه ولا تدرك علته كعدد ركعات الصلوات الخمس ونحو ذلك ، فمن شروط الأصل المقيس عليه كونه معقول المعنى[50].
2- أنه لا يصح إثبات مقدار ابتداء بالقياس ولو كان معقول المعنى لانعدام النظير من النص أو الإجماع[51].

الترجيح :
عند النظر في المسألة فقط دون فروعها يظهر أن الخلاف معنوي و لكن إذا ما تؤمل في الفروع[52] التي اختلفوا فيها بناء على خلافهم في هذه المسألة يلاحظ أن كلا الفريقين أثبت المقدرات فيما لا نص فيه ، أما الجمهور فموقفهم واضح فهم يقولون بإثبات المقدرات بالقياس ، وأما الحنفية فهم يثبتون المقدرات من باب دلالة النص ، فالفريقان متفقان على تعدية النص عموما ولكن الجمهور يسمون هذه التعدية قياسا و أما الحنفية فيسمونها دلالة ، كما قد صرح بهذا المعنى صاحب كشف الأسرار[53].
فإذا ما علم أن الفريقين متفقان على التعدية عموما وإن اختلفوا في تسميتها ، يبقى خلافهم في بعض النصوص والأصول من حيث قابليتها للتعدية أو عدمه أو كونها مما تدرك علتها أو لا ، فيستخلص مما سبق أن الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي ، ولا نزاع حقيقي في أصل المسألة وإنما النزاع والخلاف هو في بعض الفروع ، وعلى هذا يكون القياس مثبتا للمقدرات الفقهية مع الاستثناء منها المقدرات التي ليس لها نظير من النص أو الإجماع فلا يملك إثبات أي مقدر ابتداء أو التي لا يمكن للعقل أن يدرك علتها ، ولعل هذه أهم ثمرة تستفاد من هذا الخلاف ، والله تعالى أعلى وأعلم .

من أمثلة المقدرات الفقهية الثابتة بالقياس :

1- تقدير أن للعبد نصف ما للحر في النكاح والطلاق و العدة[54].
2- تقدير عقوبة حد الشرب بثمانين جلدة[55].
3- تقدير صيام شهرين متتابعين كإحدى كفارات القتل العمد[56].





[1] الحاوي الكبير في فقه الإمام الشافعي لعلي الماوردي (11/370) .
[2] انظر : المبسوط لأحمد السرخسي (1/37) ،  البحر المحيط لمحمد الزركشي (1/356) ، مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد الزرقاني (1/15) .
[3] البقرة : 234 .
[4] إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الشافعي ، أبو الفداء ، الحافظ عماد الدين (700-774هـ)
انظر : طبقات المفسرين لمحمد الداوودي ص260،  الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني (1/445) .
[5] تفسير القرآن العظيم لإسماعيل بن كثير (1/285) .
[6] النساء : 12 .
[7] تفسير القرآن العظيم لإسماعيل بن كثير (1/461) .
[8] النور : 2 .
[9] محمد بن جرير بن يزيد الطبري ، أبو جعفر (224-310هـ)
انظر : سير أعلام النبلاء لمحمد الذهبي (14/267) ، البداية والنهاية لإسماعيل بن كثير (11/145) .
[10] جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري (18/66) .
[11] البحر المحيط لمحمد الزركشي (3/236) ، المطلع على أبواب المقتع لابن لأبي الفتح البعلي ص 117 و 334 .
[12] رواه البخاري في صحيحه (2/547) كتاب الزكاة ، أبواب صدقة الفطر ، باب فرض صدقة  الفطر ورأى أبو العالية وعطاء وابن سيرين صدقة الفطر فريضة ، رقم :1432 ، ورواه مسلم في صحيحه (2/677) رقم : 984 .
[13] انظر : فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (3/368) .
[14] رواه البخاري في صحيحه (2/529) في كتاب الزكاة ، باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة ، رقم : 1390 ، ورواه مسلم في صحيحه (2/673) رقم : 979 .
[15] انظر : فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (3/323) .
[16] رواه البخاري في صحيحه (1/84) كتاب الوضوء ، باب الوضوء بالمد ، رقم : 198 ، ورواه مسلم في صحيحه (1/258) رقم : 326 .
[17] انظر : فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (1/305) .
[18] تيسير علم أصول الفقه لعبد الله الجديع ص 150 ، وهذا ما يختاره الباحث .
[19] شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح لمسعود التفتازاني (2/89) ، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب لعبد الكافي السبكي (2/135) ، التمهيد في تخريج الفروع على الأصول لعبد الرحيم الإسنوي (1/451) .
[20] تنبغي الإشارة إلى أن الإجماع المحتج به نوعان :
الأول : الإجماع القطعي الصريح :
وهو الذي ينطبق عليه التعريف الأول للإجماع ، وهو لم يقع إلا في شيء مقطوع به في دين الإسلام معلوم من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس ووجوب صوم شهر رمضان ونحو ذلك  فلا تجوز مخالفته أبدا ، أما الإجماع بمعنى التعريف الثاني فهو إن وقع وصح له مثال فهو حجة قطعية أيضا .

الثاني : الإجماع الظني السكوتي :
ويعرف بأنه إبداء بعض المجتهدين رأيهم في مسألة ، وينتشر ذلك في المجتهدين من أهل ذلك العصر فيسكتون ولا يظهر منهم اعتراف ولا إنكار لذلك الرأي ، وهو كالكثير من الإجماعات المنقولة في الكتب الفقهية .
وهذا النوع من الإجماع وقع الخلاف في اعتباره حجة فمنهم من يرى أنه إجماع قطعي ومنهم من يرى أنه حجة ظنية ولا يسمى إجماعا ، ومنهم من يرى أنه ليس بحجة ولا إجماع ، ومنهم من قصره على إجماعات الصحابة ، وما سبق هو أشهر المذاهب فيه وإلا ففي حجيته أقوال أخرى أوصلها بعضهم إلى ثلاثة عشر قولا .
وجرى هذا البحث على اعتباره مظنة للحجة والإجماع تجوز مخالفتها بالأدلة المعتبرة ، أما عن كونه مظنة للحجة فهذا بناء على احتمال أن صمت من سكت من العلماء إنما هو موافقة لما نقل عن غيرهم من المجتهدين ولكنه لم يصل إلى مرحلة الإجماع لأنه لم يقطع به ويحتمل وجود معارض له ، ولهذا السبب فإنه يمكن مخالفته بالأدلة المعتبرة ، بل قد يكون وجود دليل معتبر مخالف له علامة على عدم انعقاد الإجماع المنقول أصلا .
انظر: روضة الناظر و جنة المناظر لابن قدامة المقدسي (1/87) ، شرح التلويح على التوضيح لمسعود التفتازاني (1/34) ، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب لعبد الوهاب بن السبكي (2/223) .
[21] الإجماع لمحمد بن المنذر (1/36) .
[22] المصدر السابق (1/43) .
[23] المصدر السابق (1/45) .
[24] انظر : شرح التلويح على التوضيح لمسعود التفتزاني (2/112) ، البحر المحيط لمحمد الزركشي (4/5) ، إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول لمحمد الشوكاني (1/337) .
[25] يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي ، أبو يوسف ، قاضي القضاة (113-182).
انظر : البداية والنهاية  لإسماعيل بن كثير (10/180) ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (14/242) .
[26] انظر : البرهان في أصول الفقه لعبد الملك الجويني (2/584) ، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب  لعبد الوهاب بن السبكي (4/402) ، روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة المقدسي ص 338 ، المحصول في علم الأصول لمحمد الرازي (5/471) ، البحر المحيط لمحمد الزركشي (4/47) ، المسودة في أصول الفقه لعبد السلام بن تيمية وآخرين (1/356) ، المعتمد لأبي الحسين البصري (2/265) .
[27] انظر : أصول البزدوي لأبي الحسن البزدوي ص 120 ، أصول السرخسي لمحمد السرخسي (2/111،163) , كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي لعبد العزيز البخاري (2/331) ، تيسير التحرير لأمير بادشاه (4/103) .
[28] تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص 41 ، جريان القياس في الحدود والكفارات وأثره في الفروع الفقهية لرحيل غرايبة ، مجلة الزرقاء للبحوث والدراسات العدد الأول (7/27) .
[29] انظر: المحصول في علم الأصول لمحمد الرازي (5/471) ، الإبهاج في شرح المنهاج لعلي السبكي (3/30) ، التبصرة لأبي إسحاق الشيرازي (1/440) .
[30] الحشر : 2.
[31] عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي الشافعي ، أبو الخير البيضاوي ، ناصر الدين توفي (691هـ).
انظر : طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (2/172) ، طبقات المفسرين لمحمد الداودي (1/254) .
[32] أنوار التنزيل وأسرار التأويل لعبد الله البيضاوي (5/317) .
[33] انظر : سنن أبي داود (3/303) كتاب الأقضية ، باب اجتهاد الرأي في القضاء ، حديث رقم : 3592، و سنن الترمذي (3/616) كتاب الأحكام ، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي ، رقم : 1327، وسبق نقل انقطاعه وعدم صحته .
[34] حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي ، أبو سليمان البستي (318-388هـ) .
انظر : معجم الأدباء أو إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب لياقوت الحموي (3/251) ، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام لمحمد الذهبي (27/165) .
[35] تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي لمحمد المباركفوري (4/464) .
[36] رواه مسلم في صحيحه (5/125) كتاب الحدود ، باب حد الخمر ، حديث رقم :4551 ، وأبو داود في السنن (4/278) رقم : 4481 .
[37] الإبهاج في شرح المنهاج لعلي السبكي (2/391) .
[38] رواه مالك في الموطأ (2/842) كتاب الأشربة ، باب الحد في الخمر ، رقم : 1533، والدارقطني في سننه (3/166) كتاب الحدود والديات وغيره ، حديث رقم : 245 ، وسيأتي ذكر حكمه .
[39] الإبهاج في شرح المنهاج لعلي السبكي (3/30) ، البحر المحيط لمحمد الزركشي (4/166) ، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب لعبد الوهاب بن السبكي (4/406) .
[40] انظر : إجابة السائل شرح بغية المؤمل لمحمد الصنعاني ص 173 ، وقد ضعفه الألباني في إرواء الغليل (8/46) رقم : 2378 ، وسيأتي كلام ابن حزم عن الحديث .
[41] إعلام الموقعين عن رب العالمين لمحمد بن القيم (1/211) .
[42] الإحكام في أصول الأحكام لعلي بن حزم (7/454) ،  إجابة السائل شرح بغية الأمل لمحمد الصنعاني ص 174.
[43] المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري (2/264) المحصول في علم الأصول لمحمد الرازي (5/447) ، التبصرة  لأبي إسحاق الشيرازي (1/441) .
[44] كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي لعبد العزيز البخاري (3/42).
[45] تيسير التحرير لأمير بادشاه (4/103) .
[46] عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي المقدسي ، أبو محمد ، موفق الدين (541-620هـ) .
انظر : التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد لابن النقطة البغدادي ص 330 ، طبقات المفسرين لمحمد الداودي (1/177) .
[47] روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة المقدسي ص 338 ، كما أشير إلى هذا المعنى في : التبصرة للأبي إسحاق الشيرازي ص 442 ، البرهان لعبد الملك الجويني (2/558) ، قواطع الأدلة في الأصول لأبي المظفر السمعاني (2/109) .
[48] أصول البزدوي لعلي بن محمد ص 181 ، تيسير التحرير لأمير بادشاه (4/103) .
[49] البرهان لعبد الملك الجويني (2/587) ، التبصرة لأبي إسحاق الشرازي ص 442 ، للاستزادة انظر : قواطع الأدلة في علم الأصول لأبي المظفر السمعاني (2/109) .
[50] المستصفى لمحمد الغزالي ص 326 ، الإحكام في أصول الأحكام لعلي الآمدي (3/218) ، تيسير التحرير لأمير بادشاه (4/103) .
[51] أصول السرخسي لمحمد السرخسي (2/112) ، المستصفى لمحمد الغزالي ص 326، الإحكام في أصول الأحكام لعلي الآمدي (3/218) .
[52] ذكر بعض من هذه الفروع في : إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول لمحمد الشوكاني ص 376 ، الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء لمصطفى الخن ص 509 ، المهذب في علم أصول الفقه المقارن لعبد الكريم نملة (4/1933،1935) ، جريان القياس في الحدود والكفارات وأثره في الفروع الفقهية لرحيل محمد غرايبة ، بحث نشر في مجلة الزرقاء للبحوث والدراسات العدد الأول (7/32) .
[53] كشف الأسرار عن أًصول فخر الإسلام البزدوي لعبد العزيز البخاري الحنفي (1/116) .
[54] إعلام الموقعين عن رب العالمين لمحمد بن القيم (1/209) .
[55] المصدر السابق (1/211) .
[56] الحاوي الكبير لعلي الماوردي (13/67) .

الأحد، 4 يناير 2015

تهافت الاستدلال بعدم النقل عن السلف


من أحد الاستدلالات الغريبة في العصور المتأخرة ، دليل ضعيف التركيب فقير التدعيم والمنطق والأساس ، ومع ذلك له استعمال واسع منتشر بين المشتغلين في القضايا الدينية للأسف ألا وهو الاستدلال في القضية المسكوت عنها ولا نص فيها بعدم فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها وكذلك عدم نقلها عن السلف أو الجيل الأول تحديدا ، وصار هذا الاستدلال بمثابة إحدى مصادر التشريع والاختراعات الأصولية التي لا تقبل النقاش دون بينة واضحة لأساسياته .

أقول وباختصار :
في مثل هذه القضايا المسكوت عنها فإن نقل العدم ليس دليلا على العدم بل كل ما فيه أنك لا تعلم تحقق الفعل أو القضية ، وكونك لا تعلم عن تحقق الفعل أو القضية فهذا لا يعني أبدا الجزم واليقينية بعدم وقوعها ، وما كل ما فُعل ينقل ، ولا كل ما ينقل يعني صوابه وتحققه ، فكما أن نقل العدم ليس دليلا على العدم ، فكذلك في التراث الروائي فإني نقل الوجود ليس دليلا على الوجود ، ما لم يقترنا بقرائن اليقين وينتفيا من أضداده  ، فلم الاصرار يا سادة على الاستدلال بعدم وجود أدلة أو نقولات او روايات لمجرد ( أنكم أنتم ) لم تجدوا شيئا ولم تفهموا دلالة ، ومنذ متى صار جهل الإنسان بالشيء حجة على غيره !


الغريب أن من يستدل بهذا المنطق لا أجد له التفاتا إلى أي من القضايا التالية التي تشير بصراحة ووضوح إلى أن تراث النبي صلى الله عليه وسلم وعادات ونقولات الجيل الأول لم يسلم من الحذف أو التلاعب أو القمع ، لا أظن واعيا بالأحداث التاريخية لقضية تدوين السنة وما صاحبها سيستدل بهذا المنطق متغاضيا عن كثير العقبات التي لا يمكن تجاهلها .

أهم موانع الاستدلال بعدم الثبوت أو النقل عن الجيل الأول :

1- ضياع كثير من كتب الحديث والمسانيد أصلا :
كيف يمكن لأحد أن يستدل بعدم الورود جازما وكأن كل ما حدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده قد نقل لنا كاملا غير منقوص ؟ هل يملك أحد الجزم بعدم النقل ليحرم قضية مسكوتة تتنازعها الاستدلالات وهناك كم هائل من السنة والأثر لا يزال في حكم المجهول ، من تلك الكتب كنماذج لا إحصاء وإلا فبعض الدارسين يشير إلى أعداد لا نتخيلها !
سنن أبي الحسن المصري ، سنن الوليد بن مسلم ، سنن ابن عدي ، سنن علي بن المديني ، السنن لإسماعيل القاضي ، السنة لابن أبي حاتم ، السنة لأبي بكر الأثرم ، السنة لأبي الشيخ ، السنة للعسال ، السنة للطبراني ، السنة لمحمد بن السري ، السنة للسجزي ، مسند ابن منيع ، مسند بقي بن مخلد ، مسند الحسن بن سفيان ، مسند عثمان الدارمي ، مسند ابن زيدان البجلي ، مسند قاسم بن أصبغ ، مسند ابن سنجر الجرجاني ، مسند مسدد بن مسرهد ، مسند ابن المقرئ ، مسند يحيى الحماني ، مسند ابن أبي عمر العدني.

2- تقلص عدد مصاحبي النبي صلى الله عليه وسلم قبل إدراك مرحلة الاهتمام الروائي ونقل الآثار سريعا ، بسبب الحروب والمعارك ، فمعركة اليمامة مثلا استشهد فيها سبعون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فتأمل في غيرها ، الله أعلم بالحال الروائي والفهم الديني لو عاشوا .

3- القمع والطغيان والاستبداد الذي طال الجيل الاول :

كيف نستدل بعدم النقل عن الجيل الأول بيقينية ساذجة متجاهلين ما نجده من قمع وإبادات جماعية وإخراس للكلمة ؟! يبدو أن لمنطق السكوت عن المآسي والكوارث الحاصلة في الجيل الأول لها دور هنا لتعزيز مثل هذه الاستدلال ! من صور ذلك القمع :

أ – وقعة الحرة ومثيلاتها : قتل بها من الصحابة والبدريين العدد الذي لا يستهان لمجرد مطالبتهم بحق مشروع ، قتلوا ، وقتلت معهم عاداتهم وفهمهم للدين الذي لم يصلنا منه شيء بل نقلت أفهام وعادات من ظل بعدهم من قامعيهم ، ومرت الأيام فصارت أفهام قامعي الصحابة والبدريين مذاهب دينية سائدة يصعب إقناعها بمخالفتها القرآن .

ب- تصريح الرواة بالخوف من التحديث : في صحيح البخاري أن أبا هريرة قال حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعائين أما أحدهما فبثثته وأما الآخر فكتمته ولو بثثته لقطع هذا الحلقوم !
يا للهول إن كان أكثر من نقلت عنه الرواية له مثل هذا التصريح فيعني أنه لديه مثل ما رواه لكنه مقموع خوفا على حياته لم يصرح به ولم ينقله !
يا ترى من تلك الجهة التي قمعت الرواة  ؟!
عاش أبو هريرة في عهد الخلافة الراشدة والعهد الأموي الذي نهض على دماء كثيرة ، فانظروا من أين جاء الخلل
هل يقول جازم بعد ذلك بوصول مرويات ذلك الجيل كاملة محفوظة غير مقموعة فضلا عن أفهامهم الدينية ؟

ب- ظاهرة الاغتيالات والتصفيات السياسية : ماذا نفسر وفاة مجموعة من أكابر شخصيات الجيل الاول إما سما او قتلا ؟ كسعد بن أبي وقاص والحسن وأبناء أبي بكر وابن خالد بن الوليد ؟ وغيرهم
ألئك كانوا من قادة المجتمع ، من المستفيد من قتلهم يا ترى ؟ أكانت تلك حوادث عشوائية أم خلفها منظم ؟ كيف نطمئن لاستدلالاتنا التاريخية ومثل هذه الحوادث الدالة على القمع والاستبداد موجودة ، إن كان قمع الأرواح حاضرا وبقوة في ذلك الجيل قإن قمع الكلمة أولى .

القمع والاستبداد والهيمنة على مدوني السنة والآثار :

1- لماذا تنتشر ظاهرة التفلين ( أي حذف الاسم الوارد في حادثة واستبداله بكلمة فلان ) في الأحاديث والروايات ؟ من المسؤول عنها ؟ لماذا يطمس بعض المحدثين الأسماء ونجدها عند البعض الآخر ؟ احتمالان : خوف أو تدليس ، وكلاهما يدل على انعدام أجواء أمينة للنقل واحترام الحقيقة والتاريخ .


2- رواية المدائني المحدث الثقة صاحب الكتب المفقودة – لا أظنها صدفة أو عبثا – رواية ذات دلالات واضحة على جدية التدخل السياسي في نقل الآثار ، أنتقي مما قال : كتب معاوية نسخة واحدة الى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل ابى تراب واهل بيته فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرءون منه ويقعون فيه وفي اهل بيته ... وكتب معاوية الى عماله في جميع الافاق الا يجيزوا لاحد من شيعة على واهل بيته شهادة وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه واهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقربوهم واكرموهم واكتبوا لى بكل ما يروى كل رجل منهم واسمه واسم ابيه وعشيرته ... م كتب الى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس الى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الاولين ولا تتركوا خبرا يرويه احد من المسلمين في ابى تراب الا وتأتوني بمناقض له في الصحابة فان هذا احب الى واقر لعيني وادحض لحجة ابى تراب وشيعته واشد عليهم من مناقب عثمان وفضله ... ثم كتب الى عماله نسخة واحدة الى جميع البلدان انظروا من قامت عليه البينة انه يحب عليا واهل بيته فامحوه من الديوان واسقطوا عطاءه ورزقه وشفع ذلك بنسخة اخرى من اتهمتوه بمولاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدمو داره .


هل فهم النصوص القرآنية متوقف على فهم أحد ؟

القرآن يصرح بأن بيانه عليه لا على غيره ( إن علينا جمعه وقرآنه ، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ، ثم إن علينا بيانه )
فبيان قضايا الدين لن يتوقف على عدم النقل عن السلف ، فلم الاستدلال ببشر حالهم مع النص حالنا ؟! فكيف لو أضفنا واقع مروايتهم التاريخي ؟

ولا تخفى الانتقائية في الاستدلال بهذا الدليل وعدم ضبطه فضلا عن عدم التفات المشرع الديني له

صلاة التراويح ... كيف اخترعت ؟ نظرة في تجربة عمر

لو كان عمر بن الخطاب حيا اليوم لواجه حملات تبديعية له بسبب استحداثه لصلاة التراويح وهي صورة لعبادة جديدة مخصصة بوقت بحجة عدم النقل عن السلف ولا عن النبي

لكن عمر لم يلتفت إلى ذلك المنطق

لكنه التفت إلى دلالات دينية عامة شكل منها صلاة التراويح

فقيام الليل مشروع ، وكذلك صلاة النافلة جماعة مشروعة ، فدمج بينهما لتظهر صلاة التراويح

وللعلم أكثر خلافات المتنازعين في القضايا الدينية الخلافية الصغيرة والجديدة هي من هذا النوع ، لو نظرت لها تاريخيا لن تجد لها أساسا قد ثبت ، ولو نظرت لها استدلاليات ستجد مما تركبت ، فهل من عيب بالأخذ بتراكيب الاستدلال في قضايا مسكوت عنها دينيا ؟ أم ينبغي التعنيف والمحاربة بحجة عدم النقل والثبوت والذي واقعه ما تقدم ؟



ختاما
ما كل ما فُعل نُقل ، ولا كل ما نُقل فُعل 

المعذرة عن عدم تنسيق السرد والصياغة فهذه كانت مجرد مسودة قديمة 



ومثل الأسباب الواردة هنا تصلح أيضا لبيان سبب التباين الشديد بين موضوعات القرآن وموضوعات الآثار ، وسبب غرابة التدين التراثي عن التدين القرآني ، وقايس الأمور واعرف الأشباه .

ودمتم منمنمين معرفة وبحثا
محمد الفودري

الجمعة، 28 نوفمبر 2014

أزمة الحوار بين المؤمنين والربوبيين !




يقال حاور الملحد كربوبي ، وحاور الربوبي كمؤمن ... لكن من أي ثقافة إيمانية أحاوره ؟

الإجابة على السؤال السابق تختصر أزمة الحوار بين الطرفين المترددة بين معقولية بعض قضايا الإيمان من عدمها ، حيث يلعب الربوبي دور المهاجم ويلعب المؤمن التقليدي دور المدافع في مباراة لا أجد فائزا فيها .

كل ما وجدته من انتقادات ربوبية وإلحادية كان خاصا تماما بفهم مدارس إيمانية تراثية لولا الوراثة ما ازدهرت ، دائما ما اقترنت بوصف التطرف !

لكن لم أجد الحوار يتوجه - على الأقل بشكل كبير - إلى أطروحات حداثية تجديدية إنسانية لفهم الدين لها منطقها ومذاهبها التي هي محل تجاهل من الربوبيين ومحل ازدراء من أصحاب الإيمان التراثي ، طالما وجدت فيها شخصيا حلولا مرضية لكلا الطرفين .

ولم التعويل على المذاهب الحداثية بينما الإيمان الذي أجده في القرآن مصدر الفهم الأساسي للدين فيه حل الأزمة دون إطالة ؟

هو إيمان لا يضره الشك ولو كان من نبي كما في قصة إبراهيم وعزير اللذين شكا بالبعث والآخرة بل يتعايش معه .

هو إيمان يؤكد على أن العقل من غاياته ، ولطالما حذر من اتباع الموروث والأكثرية دون بينة ، وجعل التحدث باسم الله كذبا أعظم جريمة تفوق الشرك والتي يشتهر بها الكهنوت الديني وبسببه كانت أكثر مشاكل الربوبيين مع الدين .

أحب هذا الصراع بين الربوبية والإيمان التقليدي وأراه يتجه إلى طريق ثالث جميل ، حيث أجد إيمانا يلائمني كإنسان دون جناية على عقلي .

قريب من الموضوع :

عندما أتأمل تلك النزاعات أقدر تماما فكرة دعوة محمد إقبال لتجديد الفكر الديني بجعل تجربة الإيمان وبرهنة إمكانيتها أولوية إذ هو إيمان صاف لا شك فيه وطاقة روحية متقدة تحقق مقاصد الدين .

إن فهمت معنى تجربة الإيمان وإشعال الروح ستدرك تماما لم كانت مدرسة العرفان والتصوف مستهينة بالإيمان العقلي - ولست بمنتقص منه وأرى فائدته - إذ لا شيء يعدل إيمان التجربة الذي هو إيمان حي بخلاف طريق المنطقة والاستدلال .

يقول مولانا جلال الدين الرومي :

إن رِجل أصحاب الاستدلال المنطقي من خشب، وإن الرِّجل الخشبية صلبة لامرونة فيها ولا تمكين . إن كلام هؤلاء كلام جاف ميت لا روح فيه ولا حياة ، ولا تأثير فيه ولا جمال، لانه يصدر عن قلب ميت، وكيف يؤثر ويثمر كلام ميت يصدر عن ميت ؟ 

ويقول ابن عربي :

من يؤمن بانيا إيمانه على البرهاين والإستدلال..لا يمكن الوثوق بإيمانه لأنه مستمد من الفكر والنظر..فهو إيمان متأثر بالاعتراضات .

ودمتم بخير
محمد الفودري

الأربعاء، 12 نوفمبر 2014

فيلم Interstellar ( البينجمي ) ... تشويقة تقديرا لفلم القرن

فيلم Interstellar  : يعني الوسط الذي بين النجوم والتي تختصر بمصطلح ( البينجمي )

فيلم يحجز أوسكارات مقدما :)


هاتفني : إن كان فيلم تايتنك فلم القرن العشرين فإن النقاد يقولون بأن هذا الفلم هو فلم القرن الحادي والعشرين !

بمجرد أن أخبرني صديق عزيز عن فلم Interstellar بهذه الطريقة تشوقت فورا لرؤية الفلم ، بل وأضاف إلى ذلك نسبة التقييمات العالية التي حازها في موقع الأفلام الشهيرImdb لتجعله يصل إلى الرتبة الحادية عشرة حتى لحظة كتابة هذه  السطور إذ لن يخيب ظني أنه سيدخل ضمن العشر الأوائل قطعا...

فالمسألة مسألة وقت وانتظار عطل نهايات الأسبوع القادمة !

لتوي خرجت من الفلم لأقول :  للأسف ما أخبرني صديقي عن الفلم من تشويق لن يوفيه حقه :)

الفلم باختصار

تحفة ، ذكي ، روعة ، مفخرة بشرية ، إعجاز ، دمار ، إرهاب إبداعي وقنبلة خالدة شنكلوتية :)

فيلم نجح بتفوق خارق للعادة في القصة والحبكة والشخصيات والفكرة والتصوير وكل حاجة 

لا يخلو من قيم ولمسات مؤثرة ومحفزة مجددة للحياة والطاقة والهمة والفكر بل والإيمان 

كما نجح بشدة في توصيل قضايا علمية بالغة الدقة ,والتحدي بطريقة بسيطة ميسرة جعل تصورها وتخيلها ملموسا وقريبة إلى الفهم بشكل جميل

مفهوم تعدد الأبعاد 

توحد الزمان والمكان أنهما شيء واحد ( الزمكان )

دودة أينشتاين 

جاذبية الطرد المركزي 

نسبية الزمن

نظرية كل شيء

الثقوب السوداء

انعدام الصوت في الفضاء 

العطالة 

كل هذه القضايا العلمية وغيرها ذات المرارة يقربها لك الفيلم دون أن تشعر بأي ثقل أو مرارة معلوماتية أبدا ، بل في قالب قصة مثيرة تتحدى التوقعات وتتلاعب بالعواطف وتشد الانتباه حتى آخر لحظة 

مناسب للمثقفين ولغير المختصين

أما عن جانب المغالطات العلمية

كمسألة دخول الثقوب السوداء والعبور خلالها وغيرها من الانتقادات لصياغة الأحداث فأراها مغتفرة مقابل الجانب المتميز والمبدع الذي قدم لنا ، فلم القسوة مع من كان النقص جزءا من تكوينه ؟ ولا ننسى أن الفيلم يندرج تحت فئة الخيال العلمي رغم كثافة الحقائق الدقيقة التي تضمنها

وبالنهاية أجدد شكري وتقديري للصديق العزيز يعقوب الفيلجاوي على ترشيحه النبيل ^__^

بيني وبينكم

خرجت من الفيلم وأنا غير متأكد من السنة التي أعيشها ولا المكان الذي كنت فيه ، وربما تصورت من حولي كائنات من زمان آخر :)

معلش تأثير الفلم قوي فوق التصور فقلت أستغل تأثير اللحظة لكتابة البوست :))

ودمتم بسعادة وتوفيق
محمد الفودري