السبت، 25 سبتمبر 2021

توضيحات

 أهلا بالقراء الأعزاء


توقفت عن التدوين منذ مدة لانشغالي بالتأليف ومشاريع أخر


أوضح هنا بعض الأمور:


توجد الكثير من الآراء والأطروحات التي غيرت نظرتي لها ومع ذلك فلم أغيرها

أفضل ترك الكتابات والآراء القديمة على ما هي فربما  نفعت عقلا يناسبها


لذا ستتوقف هذه المدونة عن الاستمرار وأبقي على ما فيها تدليلا على مرحلة وطور فكري سابق

وإن انتقلت لمنصات أخرى سأشير إليها


دمتم بخير

الاثنين، 4 نوفمبر 2019

هل تخلى الله عن التوراة والإنجيل بنزول القرآن؟


ما يلي مبحث من كتابي القادم الذي يتناول حكاية قراءات القرآن من نشاتها حتى تطوراتها -عجل الله بإتمامه- هناك قضية لا يمكن فهمها في القراءات ذات المعاني المتغايرة إلا بفهم علاقة القرآن بالتوراة والإنجيل، لذلك ذكرت المسألة ضمن الكتاب... عجلت نشر هذا المبحث في المدونة لكثرة السائلين عنه

وأتمنى لكم قراءة ممتعة

جولة: هل تخلى الله عن الكتاب المقدس بنزول القرآن؟
عن ابن عمر قال: "أتى نفر من يهود فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف فأتاهم في بيت المدراس فقالوا يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم بينهم فوضعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة فجلس عليها ثم قال بالتوراة فأتي بها فنزع الوسادة من تحته فوضع التوراة عليها ثم قال: آمنت بك وبمن أنزلك"[1].
رغم تقديمي لبعض النصوص القرآنية المادحة للتوراة والإنجيل، فإني أدرك تماما أن ما نسميه اليوم بالإيمان بالكتاب هراء! تعجز ثقافتنا عن الإيمان بكتاب ديني سوى القرآن مع أنه كرر ذكر الإيمان بالكتب مرارا، لذا أعيد هنا طرحه بنماذج أكثر جدية لارتباط هذه القضية بموضوع القراءات من ناحية سلامة النص:
في البدء لا بد من معالجة الفكرة الشائعة عن كون البعثة المحمدية للعرب خاصة وللناس عامة، إذ هي تحدق بلغة القرآن وتغفل النظر إلى موضوعاته وخطاباته التي تظهر بقوة  أن خصوصية الخطاب القرآن هي لذرية النبي إبراهيم عليه السلام الأب الروحي للديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية، دون نزاع في صراحة عالمية الخطاب القرآن المتجلية.
قرآنيا بعث النبي ص لأبناء إبراهيم خاصة وللناس عامة، يدل على تلك الخصوصية تردد استعمال القرآن لاسم النبي إبراهيم كأيقونة للبيت الإبراهيمي بذريته وكثافة نصوصه الواردة عن "بني إسرائيل" و"أهل الكتاب"، كما أن أكثر نبي تكرر اسمه في القرآن هو موسى صاحب التوراة حيث ورد نحو 136 مرة، كما تكرر اسم المسيح عيسى صاحب الإنجيل 25 مرة.
بل يشير القرآن الكريم أن واحدة من غاياته هي فصل خلافات بني إسرائيل (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون)[2]، ويقول (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير)[3].
بل في القرآن تشريع خاص بالكتابيين مثل: (وطعامكم حل لهم)[4]! يؤكد لهم أن ذبائحنا نحن المسلمين حلال لهم أيضا! هذا منطق قرآني لا نفهمه بجدية!
عندما ندرك أن مخاطبة الديانتين اليهودية والمسيحية غاية قرآنية بارزة؛ نفهم سبب غزارة ذكر قصص بني إسرائيل من الديانتين اليهودية والمسيحية وقضاياهم، وأن ذلك عن سبق إصرار وتعمد، فليست القصص الإسرائلية  سرقة واقتباسا جافا كما تشير بعض القراءات التي تنقصها النظرة الشمولية،  وعلمنا أيضا مخطط القرآن في تعامله مع انحرافات الإرث الديني الكتابي إذ كانت انتقائية مقصودة لم يتعمد تتبعها بالتفصيل كلها.
بعد هذه اللفتة إلى كون مخاطبة البيت الإبراهيمي مقصدا قرآنيا، يمكن التساؤل: كيف كانت العلاقة بين القرآن الكريم والكتاب المقدس؟
الإجابة التقليدية المنتشرة على هذا السؤال تدعي أن القرآن قد أنهى دور التوراة والإنجيل بحجة نسخه وإبطاله لهما بتصريحه بتحريفهما وانحرافهما، لكن ما أن تمرر تلك الإجابة تحت مجهر القرآن فسيظهر لك نقصها لأنها نظرت فقط إلى النصوص المفيدة للتحريف وأغفلت الأخرى، مع ملاحظتي أن مفهوم التوراة والإنجيل في القرآن يتضمن نصوصا خارج العهدين القديم والجديد بغض النظر عن اعتراف أهلها به.
يستشهد الأكثر دائما بنصوص القرآن الكريم الدالة على التحريف كقوله تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون)[5]، (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا)[6]، (ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله)[7] ونحوها. لكن يغفل الآيات التي لها مدلولات أخرى.
تشير نصوص القرآن أيضا إلى وجود الحقانية  والهداية في التوراة والإنجيل بنصوص صريحة غريبة على الفهم السائد، ففي سورة آل عمران نجد قوله تعالى: (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل، من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان)[8]، وهو افتتاح مدهش لسورة قرآنية تقصد لمخاطبة أهل الكتاب.
لا نظن أن الله يجامل أو يحابي أحدا حاشاه تعالى عن الخداع ، لذا لا يمكن أن يُحمل مطلع هذه السورة -الذي يأتي بالقرآن والتوراة والإنجيل في سياق واحد على أنها كتب هداية للناس- كتزلف وتقرب لأهل تلك الكتب، بل لأنها حقيقة كذلك.
في سورة المائدة نجد صراحة أشد وأظهر، منها ذلك السياق الاستنكاري لمجيء اليهود إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم مع تجاهلهم للتوراة الموجودة لديهم ذات الحكم الرباني.
يقول تعالى: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين)[9] ليصرح القرآن بعدها (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا)[10] وصيغة المضارعة في الفعل (يحكم) دالة على الاستمرارية لا الانتهاء.
بل ختام الآية والتي تليها (ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الكافرون) (هم الظالمون)  سياقها أقرب لمن لم يُحَكِّم التوراة من اليهود، أكثر من كونها في من لم يحكم بالشريعة من المسلمين كما هو شائع عندنا!
الأشد صراحة ويؤكد ما سبق ما جاء في سياق الحديث عن الإنجيل ووصفه بأنه هدى ونور وموعظة للمتقين: (وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين ، وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)[11] والسياق صريح هنا بأن ما أنزل الله عائد إلى الإنجيل.
سنتورط في اعتباط لغوي وجناية على العربية حين نقطع خواتم هذه الآيات لنجعلها في الشريعة الإسلامية خصوصا بينما يتحدث سياقها عن التوراة والإنجيل!
هذه الآيات تقتضي منا مراجعة جدية لفكرتنا الشائعة عن الكتاب المقدس إذ لا يستحق تلك النظرة المبطلة له، بل ينظر إليه نظرة تحتكم للقرآن الذي كما نص على وقع التحريف فيه فإنه نص على وجود الهداية والنور والعظة أيضا، ولا تزال الهداية ملحوظة لمن يقرأ الكتاب المقدس قراءة منفتحة.
مع التأكيد أن القرآن ينص على كونه (مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه)[12] فكلمة الفصل في الاختلاف بين الكتاب المقدس والقرآن هي للأخير، كما ينبغي أخذ مسلماته الدينية لتكون البوصلة في رحلة دراسة الكتاب المقدس.
فمثلا عندما ينص القرآن على كون الأنبياء محل هداية واقتداء للبشر، علمنا من ذلك الإعراض عما نسب للأنبياء من هراء في الكتاب المقدس، ندع ما كدر ونأخذ ما صفى، بهذا نحقق هيمنة القرآن الكريم في تقويم الكتاب المقدس.
فإن فهمنا الهمينة فكيف نفهم تصديق القرآن للكتاب المقدس؟ هل أيده واعتمد عليه؟ خير مثال هنا هو القصص القرآنية الإسرائيلية والتعاون المتناغم المحير بينهما.
تقرأ القصة في القرآن وفي التوراة فتجدها لا تكتمل إلا بجمع القراءتين المتناغمتين، إن أجمل القرآن فصلت التوراة، فإن أجملت التوراة فصل القرآن!
كيف ذلك ؟ أمثل بتصرف واختصار:
1- في قصة إبراهيم عليه السلام حين جاءته الملائكة لتبشيره بإسحاق وإخباره عن عذاب قوم لوط، نقرأ في التوراة حوارا دار بين إبراهيم وربه[13]:
"يقول إبراهيم: أتهلك الصدِّيق مع الشرير؟ ربما كان في المدينة خمسون صديقا، أتهلكها كلها ولا تصفح عنها من أجل الخمسين صديقا فيها؟
فقال الرب: إن وجدت خمسين صديقا في سدوم صفحت عن المكان كله إكراما لهم."
ثم يقلل إبراهيم العدد المطلوب لنجاة قوم لوط من الصديقين حتى يصل إلى العشرة فيقول:" لا يغضب سيدي فأتكلم لآخر مرة: وإن وجدت هناك عشرة؟
قال الرب : لا أزيل المدينة إكراما للعشرة .
ومضَى الرّبُّ عِندَما فرَغَ مِنَ الكلامِ معَ إبراهيمَ، ورجَعَ إبراهيمُ إلى حَيثُ يُقيمُ".
انتهت القصة في التوراة
لحظة أين التكملة ؟ كم صدِّيقا كان في القرية؟ أين نهاية القصة وهذه المفاوضة؟
صمتت التوراة، فقال القرآن: (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين)[14] هذه بالضبط إجابة سؤالي حين قلت أين التكملة.
ليس من عادة القرآن أن ينص على عدد من نجى وذكره للعدد هنا ملفت، لن تستطيع فهم مخالفة القرآن لعادته إلا بفهم هذه القصة، أليست هذه إشارة قوية على إكمال القرآن لنقص التوراة وتصديقا له؟
2- في قصة يوسف في القرآن نقرأ أن إخوة يوسف حين دخلوا عليه قال لهم (ائتوني بأخ لكم من أبيكم ... فإن لم تأتون به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون)[15].
كيف عرف يوسف أن لهم أخا ولماذا كان سيمنعهم من الكيل بناء عليه، في القصة القرآنية حذف متعمد لا أراه سوى إحالة إجبارية للكتاب المقدس.
وحسن ما فعله بعض المفسرين المسلمين هنا، إذ لجؤوا إلى الكتاب المقدس لمعرفة هذا التفصيل الذي أخفاه القرآن لنجد أن القصة في التوراة هي حيلة من يوسف ليعرف أخبار أبيه ويرى أخاه فاتهمهم بكونهم جواسيس جاؤوا لمعرفة نقاط ضعف مدينته.
فدافعوا عن أنفسهم بذكر سبب مجيئهم وعدد أفراد عائلتهم –وهذا ما أراده يوسف– لذا طلب منهم بعد ذلك أن يأتوا بذلك الأخ الذي تكلموا عنه كإثبات على صدقهم ولنفي تهمة التجسس عنهم[16].
وبهذه التكملة التوراتية يفهم لغز الإيجاز القرآني.
3- يقول القرآن عن قصة يونس –يونان في العهد القديم– حين ركب السفينة: (وإن يونس لمن المرسلين، إذ أبق إلى الفلك المشحون، فساهم فكان من المدحضين، وأنبتنا عليه شجرة من يقطين)[17] ممن هرب يونس؟ ولماذا؟ وما قصة تلك القرعة؟ وما قصة اليقطين؟ فهم هذه القصة مستحيل دون الرجوع إلى التوراة، وهذا إحالة إجبارية من القرآن لكتاب اليهود.
قصة يونس أنه لم يكن يريد إبلاغ أهل نينوى برسالة الله له والتي تقول: "بعد أربعين يوما ستنقلب نينوى"، فهرب من مهمته راجيا عفو الله عنه وعنهم ، ولكن ما مصير الإنسنا حين يفر من قدره ومسؤولياته؟ سيغرق في القاع والظلام، وهذا ما حصل ليونس فابتلعه الحوت.
وفي قاع الظلمات وجد نفسه واعترف بذنبه فعفا الله عنه وعاد لإكمال مهمته، ولكن ما الذي جرى لأهل نينوى بعد أن أبلغهم يونس برسالته المرعبة؟ تابوا توبة صادقة صغارا وكبارا حكاما وحكومين، فعفا الله عنهم.
ليقطينة يونس قصة قصيرة رمزية من لم يلتفت لها من المفسرين جعل اليقطينة طعاما أكله للشفاء ومن لم يفهمها من المسلمين جعلها فضيلة لحساء اليقطين وفطائر القرع، وبالتالي أفسد حبكة القصة ودرسها العظيم.
لم يفهم يونس سبب عفو الله عن مدينة نينوى بعد أن قرر عقابهم وهو قد هرب أصلا حتى لا يبلغهم بالعقوبة، ولعله قاس حاله على حالهم، بينما يهوي يونس إلى ظلمة البحار داخل بطن حوت عند رفضه لأمر الرب، لم يحدث لأهل نينوى شيء مشابه!
هنا وهو يترقب ما سيحدث للمدينة تسلقت مظلة يونس شجرة يقطين بثمرتها لتزيده ظلا فابتهج بها ابتهاجا عظيما، نام تحت الشجرة فلما استيقظ وجد اليقطينة جافة خربة فاغتم لذلك، فجاءه الخطاب الإلهي:
"لقد أشفقت أنت على اليقطينة التي لم تتعب في تنميتها وتربيتها. هذه اليقطينة التي ترعرعت في ليلة وذوت في ليلة، أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة؟...".
كانت اليقطينة مثلا حيا ضربه الله ليونس ليفهمه رحمته لأهل نينوى[18].
4- لا يذكر القرآن عن قصة أيوب إلا نهايتها، أين تلك القصة الطويلة؟ هناك في سفر أيوب في العهد القديم.
لو استعرضنا الموضوع فإنه يطول، وإنما غرضي لفت الانتباه إلى هذه الظاهرة التي لا تنكر، والأغرب في هذه الظاهرة أن القرآن يتعدى التوراة والأناجيل الرسمية ليتضمن ويصدق أحداثا وردت خارج العهدين الرسميين كالهاجادا اليهودية وأناجيل لا تعترف بها الكنيسة رسميا كإنجيل يعقوب ومنحول متى ونحوها[19].
تقويم القرآن للإرثين اليهودي والمسيحي:
عندما أمر القرآن المسلمين بـ (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)[20] كان مطبقا لأمره قبل غيره.
كم من قضايا يهودية ومسيحية عالجها القرآن بهدوء ونعومة بعيدا عن الضجيج، لن ينتبه القارئ لمعالجات القرآن الهادئة إلا بقراءة المصادر الأصلية لإرثي اليهودية والمسيحية،  لو أوجزت منهج القرآن في علاج هذه القضايا لقلت أنه كان يكتفي بالإشارة، واللبيب بالإشارة يفهم.
- عندما تدين التوراة هارون بتسببه في عبادة بني إسرائيل للعجل –شيء لا يليق بنبي- يأتي القرآن مدافعا عن هارون مؤكدا براءته وحرصه على وحدة قومه ومتهما السامري بجريمة عبادة العجل.
 - بينما نجد العلاقة جامدة وجافة بين المسيح وأمه في الأناجيل يقول المسيح في القرآن (و برّا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا)[21].
- في الوقت الذي يقدس فيه الفكر المسيحي السيدة مريم  فإن أسفار العهد الجديد شحيحة جدا بما يؤيد هذه القداسة مقارنة في القرآن، حسبك أنها الأنثى الوحيدة التي صرح القرآن باسمها، ذكرها نحو 43 مرة  مقابل 19 مرة في أسفار العهد الجديد كلها مجتمعة، مؤكدا عفتها واصطفاءها (على نساء العالمين).
بل ويلقبها ب(الصديقة) هذا نعت يطلقه الله على أجل أنبياءه، كما يتميز القرآن بنسبة المسيح إليها بصراحة لا نجدها في العهد الجديد كقوله: (عيسى بن مريم) و(المسيح بن مريم) أما الأناجيل فكانت تنسبه إلى "ابن الإنسان" أو "ابن يوسف النجار"! نسبة تليق بالفكر اليهودي الذي لا يزال يتهم تلك العفيفة، بينما غضب القرآن على هراء اليهود بصراحة لا تنكر بقوله (وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما)[22].
هذا التقدير الشديد للصديقة مريم بنت عمران شيء مفقود في أسفار العهد الجديد[23].
حسبي بالأمثلة السابقة الإشارة واللبيب يعرف كيف يستزيد.
تساءلت : لم يفعل الله ذلك؟
لم كان هناك نقص في قصص القرآن يكمله إرث ديني سابق – أو العكس - ليس الله عاجزا عن إتمامه في كتاب واحد؟ لم أراد أن يحل بالقرآن خلافات من قبله بدلا من بدءه طريقا جديدة؟
لا أفهم من هذا إلا أن الله يحثنا على الانفتاح لبعضنا، فكما أن الكتب المقدسة الثلاثة لا تكتمل إلا ببعضها فنحن البشر وخاصة أبناء النبي إبراهيم مثلها.
إني لأجد ريح الرحمة الإلهية في نهج الوحي هذا، إذ ينزل الله كتابه الأخير لكن دون إجحاف للديانتين قبله بل ويدخل في أخص خلافياتهم الدينية ليشعر أهلهم أن لا زال لكم وجاهة وحاجة، وأن القرآن امتداد لإرثكم فهلا أقبلتم؟
وأفهم هذه الطريقة خطةً إلهية تحمي من قذارة الطائفية، تجبرنا على أخذ الحق أيا كان منبعه، وبالتالي تمنحنا قدرة على انفتاح الفكر، فمن ينفتح على الأديان فهو لمذاهب دينه منفتح أكثر، وانفتاح الفكر مقبرة الطائفية.
أختم بأجمل نص ديني قرأته عن تعددية الأديان، يفيد بأن الله هو من تعمد تعدد المناهج الدينية رغم قدرته على جعلها واحدة متحدة، لكنه لم يفعل لغايات منها: اختبارنا بهذا الاختلاف، ودعوة لمنافسة شريفة في الخير يبذل كل منا أفضل ما عنده فيها، ثم نرجئ النتيجة إلى الله لأنه هو المرجع وهو وحده الحكم فيما نختلف فيه.
وهو قوله تعالى :(لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم، فاستبقوا الخيرات، إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون)[24].
ملحق: التوراة والإنجيل المنتشران زمن النبي ص تم تحريفهما قبله إضاءته ص للعالم بمدد طويلة:
علما أن التوراة زمن النبوة المحمدية لم تكن أصلية بل ما أعيد كتابته وجمعه كمقاربة لتوراة النبي موسى وزبور النبي داود وصحف أنبياء اليهود بعد ضياعها بسبب السبي البابلي، الصائغ لما نسميه اليوم بالعهد القديم كان النبي عزرا[1] وذلك عام 398 قبل ميلاد المسيح[2].

وحتى إنجيل المسيح الذي نسميه بالعهد الجديد لم يكن في زمن النبوة المحمدية هو مواعظ النبي عيسى الأصلية بل ما نقل بعده متأخرا من الأناجيل الأربعة التي دونت في أماكن وفترات مختلفة متأخرة كمقاربة لمواعظ المسيح لم تسلم من الخلاف بينها واستبعاد نسخ أخرى ليست أقل منها[3]، هذا التحديث لمواعظ النبي عيسى استقر قبل زمن النبوة المحمدية بثلاثة قرون تقريبا.
أما ادعاء بعض المسلمين بأن التوراة والإنجيل كانتا زمن النبي غير محرفتين ثم حرّفتا لاحقا، فهذه دعوى ليس لها حظ من التأييد التاريخي ولا العلمي أبدا ولا أظن لها سببا سوى تبرير المدح الإسلامي لهما، وانغلاق على الذات يعجز عن رؤية محاسن التوراة والإنجيل بعيدا عن انحرافهما.



[1] ربما كان هو نفسه "عزير" القرآن والله أعلم.
[2] تاريخ الكتاب المقدس لكارين آرمسترونج ص29.
[3] المصدر السابق ص 52.





[1] رواه أبو داود  في سننه.
[2] النمل 76.
[3] المائدة 15.
[4] المائدة 5.
[5] البقرة 75.
[6] الأنعام 91.
[7] آل عمران 78.
[8] آل عمران 3-4.
[9] المائدة 43.
[10] المائدة 44.
[11] المائدة 46-47.
[12] المائدة 48.
[13] التكوين 18: 23-33.
[14] الذاريات 35-36.
[15] يوسف 60.
[16] التكوين 42: 9-22.
[17] الصافات 139-146.
[18] راجع سفر يونان كاملا.
[19] راجع مُؤَلفي فراس السواح: القصص القرآني ومتوازياته التوراتية، الإنجيل برواية القرآن.
[20] العنكبوت 46.
[21] مريم 32.
[22] النساء 156، يا لعظمة القرآن... يدافع عن شرف امرأة ماتت قبله بقرون، أية عظمة نالتها تلك الصديقة؟
[23] الإنجيل برواية القرآن لفراس السواح ص65.
[24] المائدة 48.

الأحد، 16 يونيو 2019

مشاركة لأفكار عن قصة الخضر وموسى وقتل الغلام




ما توجيه قتل الخضر للغلام؟

مجرد مشاركة لأفكار

أولا: رمزية القصة
القصة محيرة تخاطب حاسة الذوق والعرفان أكثر منها عقلية صارمة
وهي رمزية بامتياز تؤكد أن الإيمان لغز ودرجات تخفى ع الأنبياء أنفسهم
لا تناسب من لا يؤمن بإله طبعا

نجح بعضهم في ربط الأحداث الثلاثة بقصة موسى نفسه:

ألقيه في اليم = خرق السفينة
قتله للقبطي = قتل الخضر للغلام
مساعدته للمرأتين لما وصل مدين بلا أجر  = بناء الحائط لليتيمين بلا أجر


واضح أنها دروس استثنائية لموسى تحديدا ظاهرها شر ومآلها خير تذكره بحياته نفسها
تعلمه أنه لولا تلك الشرور غير المفهومة حينها لما ظهر ذلك الخير
هذا الدرس العام والله أعلم بالخاص

ثانيا: كيف نفهم القصة؟

قتل الخضر للغلام البريء جريمة كبيرة في كل الأديان
وقد استنكره موسى نفسه
وتؤكد قضية تعدد أقدار الإنسان ووجود المستقبل الآن

لكن ما تثيره عقليا:

كيف يمكن قتل بريء لم يرتكب جريمه لشيء لم يفعله أو سيفعله لاحقا؟
وكيف يفعل هذا نبي؟
لا أظن أن لدى العقل الإيماني أكثر من الإجابة التالية:

أنها قصة

الحادثة استثناء لا يقاس عليه شيء ولا يغير قبح القتل ولا يبرره وهو ضمن قصة
والقصص تساق لفهم مرادها الكلي لا الجزئي ولو فهمت جزئيا لكان سذاجة
لو أن أحدا فهم من قصة ليلى والذيب أن الذئاب تتكلم لكان ساذجا بلا ريب فالقصة مرادها الأساسي غير المنطوق:
عصيان الوالدين بالحديث مع الغرباء يؤدي للمتاعب

لا أحد يستدل من قصص القرآن على جواز إلقاء الأخ المحبوب في بير
أو جواز الكذب على الأب
ولا جواز إلقاء الطفل الرضيع في البحر إذا خفت عليه
فالقصص لم تأت لهذا أصلا وإنما تفهم وتدرس بأدوات قصص والأدب المعرفية

ثالثا ضمائر القصة:
أظن أن للضمائر دورها
وربما تتعلق بدرجات العلم الغيبي للبشر :
١ في السفينة جاء الضمير للخضر = فأردت أن أعيبها
٢ في الغلام جاء الضمير بصفة  جمع = فخشينا .. فأردنا
لمن الضمير؟
خلاف:
أ أنه لله وهو بعيد فالسياق للخضر
ب أنه للخضر ولله وهو محتمل وأقرب 
ج أنه للخضر وحده جاء مفخما لفخامة العلم المطلع عليه وعظم الفعل الناتج عنه
٣ الجدار = أراد ربك 
ضمير إلهي بحت

رابعا: احتمال عدم براءة الغلام
هذا الاحتمال تؤكده قراءة غير جزرية
(وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين)
وبه ترفض تبرئة موسى للغلام
وبه يرفض القول أن الغلام دون الاحتلام وإلا لما وصف بالكفر
ونعته بالكفر دليل جرم شديد ارتكبه وربما كان ذلك الجرم قتلا، وفي الأدبيات الدينية علاقة بين الكفر والقتل كما نقل عن النبي ص: "وقتاله كفر"


أخيرا

كان النبي إبراهيم ع يتسائل عن غيبيات مبررا (ليطمئن قلبي)
ليقول حفيده  صلى الله عليه وسلم من بعده : "نحن أحق بالشك من إبراهيم"

شكنا في الإيمان ومراجعته المستمرة حق لنا وينضج فهمنا وروحنا
 ولا عيب من الخطأ والصواب في هذه الرحلة المعقدة، في خرائب الحيرة نجد كنز اليقين، ومهما فعلنا فستبقى حيرتنا 
وذلك لأننا نبحث عن الظاهر الباطن الذي ليس كمثله شيء

جاءت في سفر أشعياء مقولة للرب:
"لأن أفكاري ليست أفكاركم ولا طرقكم طرقي"
بتعبير القرآن
(لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)

والله أعلم